ــ رواية الجزء الخامس ــ
برهان الشاوي / برلين
في تلك الليلة شاهد الحارس آدم فيلما أجنبيا اسمه (الآخرون) عن بيت تسكنه عائلة، أم مع طفليها وخادمتها الخرساء ومدبرة المنزل والبستاني، حيث تكتشف الأم بأن هناك أرواح تسكن المنزل الكبير الذي يقع وسط غابة بعيدة، ويتضح في ما بعد أن الأم وطفليها والخدم جميعهم هم الأموات، وأن الذين كانت تعتقد الأم بأنهم الأرواح التي سكنت البيت ليسوا سوى سكانها الأحياء. لقد أعجبه الفيلم كثيرا، لاسيما وهو يحب الممثلة (نيكول كيدمان) التي تؤدي دور الأم في الفيلم. والغريب أنها ذكرته بوجه الفتاة القتيلة لحد ما. فكر للحظة مع نفسه: هل نحن أموات وهذه هي أرواحنا تعيش، مثل أبطال الفيلم، أم نحن أحياء فعلا؟
استلقى الحارس آدم على الصوفة، وأطفأ المصباح الكهربائي فغرقت الغرفة في الظلام. ظل فاتحا عينيه، محدقا إلى سقف الغرفة برغم الظلمة. فجأة سمع صوتا وكأنه صوت سرير نقال يتحرك. لم يعر الأمر اهتماما فاستغرق في تحديقه لسقف الغرفة عسى أن يأتيه النوم.
مرت لحظات ثم سمع وقع خطوات في الممر تتجه نحو غرفته. أحس بشيء من الخوف. من تراه يمشي في الممر في مثل هذه الساعة؟. فكر مع نفسه في أن هذا الصوت غير حقيقي فهو يتخيله ربما بتأثير الفيلم الذي شاهده قبل أن ينام. لا. لا. الأصوات حقيقية وبدأت تعلو شيئا فشيئا، لكنها تتوقف قليلا ثم تستمر بالمشي لخطوات، تقترب باتجاهه.
مع اقتراب الخطوات باتجاه غرفته بدأ الحارس آدم يحس بالبرد يسري في جسده، فالتف بالبطانية. فجأة انتبه إلى أن الخطوات وصلت إلى باب غرفته، ثم توقفت فجأة. شعر بالخوف، وبقشعريرة تهز جسده فغطى رأسه بالبطانية.
رفع البطانية عن عينيه وأخذ يحدق بمقبض الباب. أحس برغم الظلام بأن مقبض الباب قد تحرك دون أن يطلق صوتا، لكن عاد إلى وضعه الطبيعي. أحس أن هناك من يقف عند الباب ويهم بالدخول لكنه لم يدخل. من تراه؟ ولماذا توقف عند الباب ولم يدخل؟ وإذا كان من العاملين في المشرحة فلماذا لم ينادِه كي يفتح له؟
بدأت الخطوات تنسحب من عند الباب وتختفي شيئا فشيئا في الممر، لكن الذي انتبه إليه الحارس آدم أن الخطوات جاءت من جهة قاعة الجثث واتجهت مبتعدة نحو ذات الاتجاه.
في صباح اليوم الثاني سمع طرقا على الباب فعرف أنها أصوات احتكاك مكنسة المنظف الأخرس الذي يقوم بالتنظيف نهارا. انتبه إلى أنه قد تأخر في نومه قليلا، فعادة هو يستيقظ قبل هذا الوقت.
أول ما طرأ على ذهنه هو الذهاب إلى قاعة الجثث، إذ أحس برغبة شديدة في رؤية الفتاة القتيلة. حين خرج من غرفته رأى المنظف الأخرس في أقصى الممر. اتجه إلى القاعة بخطوات حذرة، فهو يعرف أن الطبيب ومساعده ربما هم الآن في القاعة. في الطريق إلى القاعة تذكر الأصوات التي سمعها ليلا في الممر. لم يستطع أن يحسم الأمر مع نفسه إن كان ما سمعه مجرد وهم أم كانت أصوات حقيقية.
حينما دلف الحارس آدم إلى قاعة الجثث رأى الطبيب الشرعي ومساعده يقفان عند جثة الفتاة التي كانت عارية بالكامل. كانا قد أنجزا عملية التشريح، وقاما بخياطة الجثة من المناطق التي تم فتحها فيها. كما انتبه إلى أن أسفل بطنها زال عنه الانتفاخ.
ما أن رآه الطبيب الشرعي حتى طلب منه أن يساعد في نقل الجثة إلى السرير النقال، فتقدم دون أن ينطق بشيء وحمل الجثة من جزئها الأعلى بينما رفع المساعد الجزء الأسفل ووضعاها على السرير النقال.
لم يستطع آدم أن لا ينظر إلى ذلك الجسد المتناسق الجميل وإلى المنطقة السفلى من بطنها، وبالتحديد بين فخذيها، بينما سمع الطبيب يقول:
• الله وحده يعلم، كم توسلت لهم مؤكدة على براءتها ولم يسمعها أحد. على أية حال. تعال معي بسرعة كي ننجز التقرير، ولنخبر أهلها بأن أبنتهم كانت عذراء، وهي بريئة، ولم تكن حاملا. تعال.. تعال معي، ولنترك آدم ينظف الأرضية من الدماء.
خرج الطبيب يتبعه مساعده، بينما بقى الحارس آدم مشغولا مع نفسه، تغمره الراحة لخروجهما.
في تلك اللحظة التي اختفى فيها الطبيب ومساعده من القاعة، نظر الحارس آدم إلى وجه الجثة متأملا. ظل يحدق للحظات. فجأة فتحت الجثة عينيها برعب ونظرت إلى وجه الحارس آدم، ثم أمسكته من ياقة قميصه ساحبة إياه إليها.
شله الرعب ودفع يديها عن ياقة قميصه وهرول هاربا من القاعة، ملتفتا إلى الوراء وهو يركض باتجاه الطابق الأرضي، فرأى الفتاة تقف عند باب قاعة الجثث عارية وهي تبتسم.
كان الحارس آدم يركض بأقصى سرعته، لكنه كان يحس وكأنه يراوح في مكانه. وهو في تلك الحال كان يفكر بما جرى، وما يجري، هل هو يتوهم ما يجري معه أم أن الأمر هو مجرد كابوس لا أكثر؟ وليتأكد من ذلك كان يتلفت إلى الوراء، لكن لا، الجثة تقف هناك عند باب القاعة وآثار خياطة فتح البطن ترسم خطا مشوها على صدرها وبطنها.
عندما وصل إلى الدرج لم يستطع صعوده، تعثر. أخذ يقفز على يديه ورجليه صعودا. عندما وصل إلى الطابق الأرضي رأى أهل الفتاة. كانت الأم تنوح وتلطم وجهها بينما الأخت تزغرد لبراءة أختها من العار الذي لحق بهم، أما الرجل الملثم فقد بدا مرتاحا رغم بعض ملامح الحزن والانكسار في نظراته.









