ثقافية

مـشــــــــرحـــة بـغــــــــــــداد

برهان الشاوي / برلين  /  الجزء السابع

مرت فترة أخذ يهتم بقراءة الكتب الدينية، والكتب التي تتحدث عن الأرواح، وعذاب القبر وأهواله، لكنه ترك قراءة هذه الكتب لأنه وجد فيها الكثير من الأوهام والترهات. ما من أحد يعرف سر الموت، ولا أحد يعرف لغز الحياة. بل أنه أحيانا يشارك حجج الماديين في أن الحديث عمّا بعد الموت هو أوهام وخيالات الأحياء نتيجة خوفهم من الموت، فما من أحد عاد من الموت ليخبرنا عن سره. 

 أحيانا كان يفكر بهؤلاء الفلاسفة الذين يحترم تفكيرهم الفلسفي وتأملاتهم، ويسأل نفسه: كيف دونوا تلك الترهات فهم يتحدثون عن الحساب في القبر وأهواله. ثم يسأل نفسه: ماذا عن مئات الملايين من الهنود الذين تم حرقهم وألقي برمادهم في الأنهار المقدسة؟ كيف سيحاسبهم منكر ونكير؟. وماذا عن المسيحيين الذين يؤمنون بأن السيد المسيح هو مخلصهم وهو الذي تحمّل ذنوب البشر كلها؟ 

كان يجلس لفترات طويلة مفكرا في البشر، وكيف هم يسمون هذا الكوكب الأرض، بينما الأرض لا تشكل سوى سدسه؟ فالبحار والمحيطات هي التي تحتله، أي أنه كوكب الماء. 

كان يفكر في هذه الأرض التي هي أصغر من حبة رمل صغيرة في هذا الكون المترامي الأنحاء والذي يزدحم بعشرات المجرات الهائلة ومليارات المليارات من الكواكب والنجوم؟ أحقا أن هذا الكون كله خلق من أجل الإنسان؟ من أجل هذه الكتلة من السوائل الكريهة والبول والبراز والفضلات النتنة؟ هذه الكتلة من الغرائز والرغبات؟ 

لِـمَ يعتقد الإنسان أنه سيد الأرض؟ بينما عدد الأشجار تفوق عدد البشر مئات المرات؟ أيهما أجمل وجودا، الأشجار أم الإنسان؟ الأزهار أم الإنسان؟ أين هي يا ترى تلك الأفكار العظيمة والتأملات الفلسفية الهائلة؟ أين شطحات الصوفيين؟ أين عالم النور الذي غنى له الشعراء والمصلحين؟ أين الأفكار العظيمة التي تعذب المفكرين، وقتلوا، وصلبوا، وأعدموا، من أجلها؟ هل جثث هؤلاء تختلف عن جثث عامة الناس؟ أين هي الحقيقة؟ أين هو الجمال؟ أين هو الخلاص؟

لكن بالرغم من أنه يعمل في المشرحة منذ حوالي سنة وثلاثة أشهر، إلا أن هذه الأفكار والتحولات النفسية والفكرية التي تعرض لها وعاشها كانت نتيجة تعامله اليومي مع الجثث البشرية في أبشع صورها. 

كان يفكر في الأحياء من خلال حقيقة موتهم، ونهاية دورهم في الحياة، وليس من خلال تأمل الحياة الواقعية، التي يعيشها هو أيضا، لذا أرتعب حينما شاهد الفيلم عن ذبح الشاب هادي في حوض الحمام في بيت أحد الأعضاء المهمين في الدولة.

كان ثمة حاجز خفي بين الحياة والموت، شعور تعود عليه، واستمده من الأطباء ومساعديهم، شعور يتلخص في أن الجثة ليست بشرا، ولا يمكن التعامل معها على هذا الأساس. هي جسد ميت بلا روح. كتلة من اللحم والعظام المغطاة بالجلد. ذبيحة يمكن التعامل معها بلا أية شعور بالذنب أو الإحساس بالتعاطف.

لكنه كان يقاوم مثل هذا الشعور. لم يكن يستطيع أن لا يقرن الجثة بشخصية صاحبها أو لا يفكر فيها بأنها كانت تنبض بالحياة، وكانت لها مشاعرها وأحلامها وأحقادها وتأملاتها الفكرية والعقائدية، مثلما يتأمل هو الآن. هذا الإحساس كان يعذبه ويتركه في حالة تناقض وصراع نفسي مستمر. 

(4)

يــوم عــراقـــي عـــادي جــدا ً 

استيقظ الحارس آدم على صوت ضجيج يجتاح الطابق السفلي من المشرحة، حيث تقع قاعة الجثث المعدة للتشريح، وسمع أصواتً وجلبة ً على غير الأيام الاعتيادية. نظر إلى الساعة المنضدية فرأى أنها لم تتجاوز الثامنة والنصف صباحا. فتح باب غرفته ليعرف ما يجري، فوجد مساعد الطبيب يدفع بالسرير المتنقل مسرعا، وما أن رآه الآخر حتى صاح فيه أن يسرع إلى الباب الخارجي ليأتي ببقية الجثث، فقد حدث انفجار في موقع لتجمع الناس صباحا، وقد سقط العديد من الضحايا الذين تم توزيعهم على المستشفيات، بينما حملوا إليهم خمس جثث لنساء كن قريبات من موقع الانفجار.

كان ممر الطابق تحت الأرضي مزدحما برجال الحرس الوطني، وبعض سائقي سيارات الإسعاف التابعين لإحدى المستشفيات، وإدارة المشرحة مع الأطباء ومساعديهم. 

ركض الحارس آدم مسرعا إلى الأعلى فرأى بعض العاملين وهم يدفعون عربتين عليهما جثتان وهم يتراكضون ناحية المصعد الذي عليهم إنزال الجثث إلى قاعة التشريح من خلاله. 

حين وصل الحارس آدم إلى الشارع توجه مباشرة إلى سيارات الإسعاف الثلاث التي كانت تقف أمام المشرحة لم يجد فيها أية جثة. وبالرغم من أن حمل الجثث إلى الداخل ليس من مهامه، لكن بحكم استقراره المعيشي في المستشفى فأن دوامه الرسمي صار غير محدد، وصار يُكلف بمهام أخرى كنقل الجثث أو إحضارها من قاعة الثلاجات أو حتى مساعدتهم عند التشريح عند الدوام الرسمي الصباحي. 

نزل الحارس آدم إلى الطابق السفلي حيث قاعة الجثث فالتقى في الممر برجال الحرس الوطني وهم يتوجهون إلى الخارج ومعهم مدير المشرحة وبعض الأطباء والمسؤول الإداري وبعض الرجال الذين لم يعرف من هم. لم يعرهم اهتماما ً بل استمر في طريقه متجها إلى  قاعة الجثث. 

كان الممر مكتظا بعربات نقل الجثث التي ازدحمت على الجانبين، وكانت بعض العربات قد تلطخت بالدم.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان