ثقافية

أدبيات وأخلاقيات الإعلام في العمل التربوي

سلامة الحسن 

يرتقي البناء الحضاري لكل امة وشعب من خلال ارتقاء البناء التربوي في جانبه الروحي والمادي ، وربما في العهود الحضارية القديمة ( السومري ، البابلي ، الاشوري ، الاكدي ، الكنعاني ، الفرعوني ، الاغريقي ، الروماني ) تمثل في جانبها الأعم الاهتمام الروحي من خلال غرس المفاهيم التربوية في الجانب الروحي والثقيف بموجودات الممكن وكان اغلبه يكون التلاميذ والطلبة جالسين على الأرض وأن اغلبه يعتمد على ظاهرة المحاضرة السمعية ويندر فيها التدوين عدا ما يمسكه من المعلم من قرطاس يحمل الحكم والتعاليم.

بتطور الازمنة الحضارية ، وما صاحبها من تطور عمراني بنيت المدارس وشيدت معاهد العلم واتسعت الرقعة الاجتماعية والحاجة لدور المدرسة في نمو المجتمعات وتطورها مما جعلها واحدة من لبنات البدء في نشوء ونهضة الامم وازاء هذا الاهتمام الذي ابتدا مع تطور الكتابة الحروفية وصناعة الورق والالات الطابعة وتطور وسائل الاتصال والمواصلات والنهضة العلمية الحديثة صارت الدول تضع الخطط والمناهج الحديثة في مجال التعليم وصار من اولوياتها السيادية ان تكون هناك جامعة للعلم ومعهد متخصص ومدارس ورياض أطفال في كل المدن والقرى حتى قبل أن تهتم بأي جانب آخر.

وتلازم مع هذا التطور في المجال التعليمي تطورات مرادفة من الاهتمامات في مجال الصحة والبنية التحتية والعمرانية في مجالات آخرى.

مع هذا التطور وسعة الانتشار والاهتمام بالتعليم تشعبت وتطورت مساحة الجهد المبذول في العملية التربوية وجعلت لها وزارات مستقلة تفوق في بعض البلدان اهمية الكثير من الوزارات السيادية ، وصاحب هذا التطور تجديد البنى الهيكلية لمؤسسات هذه الوزرارة واستحداث الكثير من المفاصل والادارات بسبب التطور الهائل في المسار الحضاري لتكوين المجتمعات خاصة من تعرض العالم لرؤية حياتية جديدة تسمى ( العولمة ) وما صاحب هذه الرؤية من تطور هائل في اساليب تسخير الآلة والحاسوب في تطوير العملية التربوية وما يصاحب هذا من البحث عن مستجدات تواكب عصر التطور هذا من خلال تطوير المهارات التربوية وفتح دورات منهجية وتطويرية في المجالات العلمية والفنية واللغوية وطرائق التدريس وتهيئة المستلزمات التربوية وكذلك تطوير الجانب الاعلامي التربوي الموجه كالتلفزيون التربوي والصحافة التربوية والمهرجات الفنية والرياضية والثقافية والعلمية.

هذا التطور وذلك الاتساع وتلك القفزة الحضارية في تطور مناهج التعليم وخطط تنفيذتها واتساع الهيكلة العمرانية للمؤسسة التربوية احتاج وبالضرورة والفعل الى جهد اعلامي مساير وممنهج وعلمي ونشط ، وهذا الجهد يحتاج الى دعم وتفاعل ومساحة اشتغال تشمل عموم مفاصل العمل التربوي وعليه أن يعتمد على اخلاقيات مهنية تسنبط القيم والمبادئ والرؤى التي تقوم عليها فلسفة التعليم في ذلك البلد ، وأن دوره في هذا الجانب يوزاي تماما الفعل الذي يقوم فيه المعلم والمدرس في تطوير قدرات التلاميذ الذهنية في المجال العلمي والثقافي والاخلاقي ، وحتما لدى الاعلام التربوي اخلاقيات مهنية تعتمد الرؤية الحديثة في دور الاعلام كعامل مؤثر في تقدم المجتمعات وتطويرها واحداث التواصل الشفاف بين المكونات الادارية والمهنية لتلك المؤسسة .

يحاول الاعلام في اخلاقياته المهنية أن يستوعب اولا القيمة المعنوية والمؤثر الفاعل للعملية التربوية في حياة المجتمع وان يبشر فيها ويصنع التواصل بينها وبين الرأي العام من خلال اصدار النشريات والصحف ومتابعة الانشطة كافة بدءا من نشاط الوزير وانتهاء بنشاط المدرسة .

وتلك المساحة بين نشاط الوزير ونشاط المدرسة هي الفسحة الهائلة التي يمكن التعامل معها بشكل دقيق يقوم على المتابعة والاعلان والتنوير ، وحتما خلال هذا التعامل ينبغي ان يكون الصدق والوضوح واظهار الحقيقة في المضيء من هذه الانشطة ينبغي ان نعتمد اخلاقيات العمل اللاعلامي في جانبه الصحفي والمتلفز أو الاحتفالي وبذلك نكون قد نجحنا في بناء مؤسسة اعلامية ــ تربوية تمتلك الصفة الحضارية والتربوية والوطنية لوجودها وتكون الافاق امامها مفتوحة لتطور وتتطور مع السير المنتظم لسياسة الدولة في التعامل مع اهداف ومنجزات هذه المؤسسة.

يكتسب الاعلام خبرته وتفاعله من خبرت المؤسسة وعملها ، وهذا يبدا اولا من الصف المدرسي وينتهي الى مقررات الوزراة الادارية المتمثلة في رؤيا الوزير وسياسته التربوية وقررات هيئة الرأي والمنجز المقدم من عموم مديراتها العامة ، وحتما هذا يحتاج الى تفاهم وتنسيق بين الجهة الاعلامية في الوزارة ( المكتب الاعلامي للوزير ، التلفزيون التربوي ، الاعلام التربوي ، اقسام الاعلام التربوي في المديرات العامة للتربية في المحافظات ) لأن هذا التنسيق يوفر شفافية في العمل ونجاح في تطبيق جميع مفاصل الخطة السنوية للوزارة للنهوض بمهماتها الوطنية والاجتماعية في مجال التعليم.

اخلاقيات العمل الاعلامي في واقعها المحسوس هي اخلاق تربوية وروحية تعتمد على ذاتِ القيم والمنابع والادبيات التي نبعت منها فلسفات التعليم وصاغت منهاجها على نورها وقيمتها ، وفي واقعها المادي يتعمد ايضا على الجهد الذي تقدمها ذات القيم القائمة على الجهد العملي والمؤسساتي المنظور في مجال استخدام المستلومات العمرانية والمكتبية والمطبوعة في ترسيخ وزرع تلك القيم المحسوسة في ذات النشيء الجديد وزارء هذا التفاعل بين المحسوس الروحي والكيان المادي ــ العمراني ينشط الفعل الاعلامي وحتى يكون صادقا وفعالا عليه ان يوازن بين هذا العاملين ويحدث ترابطا ، ويتفاعل في مجال الاعلان والتبشير وتبيان المنجز الكبير لهذين الفعلين.وفي النهاية علينا التأكيد أن اخلاقيات الاعلام في العمل التربوي لن تكون فعالة ومجدية دون ثقافة قرائية وميدانية يستطيع من خلالها الاعلامي أن يؤدي دوره بصورة صحيحة وفعالة لأنه يتعامل اصلا من شريحة تعبر هي الاكثر وعيا في المجتمع..!

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان