ثقافية

مـشــــــــرحـــة بـغــــــــــــداد

برهان الشاوي / برلين  /  الجزء الثامن

حين دخل القاعة وجد أن ثلاث جثث ما زالت على الأسرة المتنقلة التي حملت عليها أصلا من سيارات الإسعاف، وجثتين ممدتان على السرير المعد من الصفيح والمسند على مصطبة من المرمر. كانت الجثث جميعها لنساء من مختلف الأعمار والشرائح.  على السرير النقال القريب من باب القاعة كانت جثة فتاة في بدايات العشرين من عمرها. تلبس بنطلونا من الجينز وسترة ملونة بالأحمر والأبيض مع تقاطعات لخطوط عريضة رمادية وسود، وتحت السترة كان يبدو قميصها الأحمر. لم تبدُ وكأنها نائمة نوما عميقا. كانت في كامل زينتها. تأمل وجهها جيدا فراوده إحساس بأن هذا الوجه ليس بغريب عليه، حاول التذكر لكنه لم يستطع أن يتذكر أين رأى هذا الوجه. تفحص الجثة باحثا عن الإصابة التي سببت الموت فلم يجد أي أثر للدم أو لأي جرح واضح. انتبه إلى أن إحدى القدمين كانت في الحذاء بينما القدم الأخرى حافية.   على السرير النقال الآخر الذي وضع قرب النافذة المطلة على الممر، قرب الباب أيضا، كانت جثة أخرى مسجاة. جثة لامرأة محجبة. امرأة شابة في غاية الجمال. وجه بملامح حادة، صارمة ودقيقة، ذكرته بوجوه تأملها في بعض اللوحات العالمية. الرأس كان مغطى بحجاب من الحرير الذي رسمت عليه نقوش جميلة، حجاب يمتد حتى كتفيها، بينما جسدها يختفي تحت ثوب طويل أشبه بطيلسان طويل يغطيه من الرقبة حتى القدمين.  أعجبه وجهها البريء وأناقتها قياسا للنساء المحجبات. كانت تبدو أيضا وكأنها نائمة. فتش أيضا عن إصابتها، فلم يكتشف شيئا أيضا. دهش مع نفسه من هذا الانفجار الذي لم يجرح أحدا، والذي ترك ضحاياه وكأنهم يغطون في نوم عميق. في وسط القاعة كانت جثة ضئيلة ملفوفة بعباءة سوداء. اقترب منها فرأى امرأة عجوزاً  في حدود السبعين من العمر. كانت عيناها مغلقتين وعلى وجهها أثر ابتسامة مرة وساخرة. هل كانت تسخر من الموت أم من الحياة؟. فتش عن إصابتها. لم يجد شيئا. فكر ربما لأنها ملفوفة بالعباءة. لكنه انتبه إلى أن العباءة قد تلطخت بالدم عند منطقة الصدر، كما انتبه إلى أن جثة العجوز ليست هي وحدها التي تشغل السرير المتنقل وإنما في الجانب الآخر جثة لصبي صغير في الثامنة من عمره بملابس المدرسة، ولأن العجوز كانت صغيرة الحجم فأنهم وضعوا جثة الصبي معها على السرير نفسه.  على السرير النقال الذي يقع إلى يسار القاعة وضعت جثة لامرأة قصيرة القامة، أنيقة الملابس، بينما وجه الجثة يكشف عن خوف وألم وكأنها كانت تعي موتها في تلك اللحظات التي واجهته فيها. انتبه لبقعة دم وثقب في جانب الرأس. خمن مع نفسه ربما ماتت من أثر شظية جاءتها في الرأس. في أعماق القاعة كانت جثة أخرى لامرأة شابة جميلة الملامح، لكنها كانت مذبوحة العنق. كيف ذلك؟ فكر الحارس آدم. إذ كانت تبدو وكأن عنقها قد قطعته سكين أو آلة حادة، وأن لا علاقة لها بالانفجار. كانت المرأة في ملابس رسمية اعتيادية وكأنها كانت ذاهبة إلى دائرتها. سأل الحارس آدم نفسه: لماذا جميع الجثث من النساء وليس بينها أي رجل سوى جثة لصبي صغير في الثامنة؟. غادر الحارس آدم قاعة التشريح إلى الممر الذي كان خاليا من أي شخص والذي بدا له وكأنه يقع في مكان مجهول. خطا نحو غرفته التي تقع بين قاعة التشريح وقاعة الثلاجات. فتح باب الغرفة، لكن وبشكل مفاجئ أغلقها واتجه إلى الطابق الأعلى، إذ راوده فضول أن يعرف شيئا عن الانفجار وعن أصحاب الجثث التي تتمدد في قاعة التشريح، بالرغم من أن المشهد سيتكرر: قلق عام، وجوه كثيرة، غريبة، كل منها يضفي على نفسه أهمية ما لعلاقته بشكل أو بآخر بالضحايا أو المسؤولين الحكوميين. حركة فوضوية حامية من قبل العاملين في المشرحة. بعض المواطنين الذين يبحثون في أسماء الضحايا. وصل آدم إلى الطابق الأرضي تأكد مما توقعه. ازدحام عند المدخل والاستعلامات. حركة موظفي المشرحة الواضحة التي تبين انشغالهم بالحدث. عدد لا بأس فيه من مراتب الحرس الوطني. رجال في ملابس مدنية يحاولون مع إدارة المستشفى معرفة هويات الضحايا من خلال تفتيش بعض الحقائب التي وجدت هناك والتي تعود للضحايا بلا شك.  بعض الضحايا قد تم التعرف عليهم، لأنه سمع بعضهم يتداول أسماء واحدة أو اثنين منهم، وعرف أن هذه الأسماء التي يتم تداولها بينهم تعود لضحيتين معروفتين لمعظمهم، لكنه لم يعرف من يقصدون منهن، حيث يبدو أن عائلات الضحايا لم تعرف بعد بما حدث.ظل طوال اليوم يتحرك بين القاعة وبين الطابق الأرضي. وبالرغم من أن الدوام قد انتهى إلا أن الأطباء وإدارة المستشفى بقوا في المشرحة، لاسيما وأن بعض وسائل الإعلام والصحافيين قد وصلوا إلى المشرحة. يبدو أن بين الضحايا شخصية نسائية معروفة، أو زوجة أو قريبة، أو ابنة لشخصية معروفة ومهمة.  الصحافيون لا يأتون إلى المشرحة ولا يزورونها إلا نادراً، إلا حينما تكون الضحية من الشخصيات التي كانت مهمة أو تقرب لشخصية مهمة. بعض الصحافيين حاول التسلل إلى الطابق السفلي وتصوير الجثث إلا أن إدارة المشرحة قد منعت ذلك بشكل تام، وقد كان هو في الطابق السفلي يتصدى لكل من يريد التسلل إلى القاعة حيث الجثث. بعضهم حاول بشتى الطرق، بل وعرض عليه شيئا من المال مقابل السماح له بالتصوير، لكنه رفض بشدة. ظل بعض المصورين يحومون حول المشرحة حتى أول الليل، لكنهم انسحبوا جميعا بما فيهم إدارة المشرحة وكل العاملين فيها، ولم يبق إلا الكادر الخفر.  أحس الحارس آدم بالراحة من ذهاب الجميع، فهو يعرف أن من تبقى لن ينزل إلى الطابق الأسفل، ولن يتسلل أي من الصحافيين إلى قاعة التشريح.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان