ثقافية

بورخيس.. وقصة المرايا

إعداد/  محمد محمد المزديوي

 

يتصدى المفكر الفرنسي جان-فرانسوا ماتيي (عضو المعهد الجامعي الفرنسي والأستاذ في جامعة نيس-صوفيا-أنتيبوليس، ومؤلف العديد من الكتب عن الفكر الإغريقي والعالم الحديث) لجانب لم يدرس، بما فيه الكفاية، في عمل خورخي لويس بورخيس، وهو الفلسفة. ولهذا السبب أصدر، سنة 2010، كتيباً شيقاً عن بورخيس بعنوان: «خورخي لويس بورخيس والفلسفة». ومن جهته لا يتورع بورخيس عن التذكير بعشقه للفلسفة. ويروي أن إعجابه بالفلسفة يعود إلى طفولته. فقد ساعده والده على اكتشاف سباق أخيل والسلحفاة على رقعة شطرنج مصنوعة من خشب الأرز.

وقد قمنا بترجمة هذا الجزء المعنون بالوجه المستحيل من الفصل الأول المعنون بالذاكرة.

إن افتتان خورخي لويس بورخيس بالمرايا يَعبُرُ كل عمله. فبالإضافة إلى المرايا المُقنَّعة سنة 1934 إلى مرايا الألغاز سنة 1940، وقصيدة المرايا سنة 1959، نجد ثلاثة نصوص، اثنان منها نثريان والثالث شعري، مكرسة للمرايا، دون مساس بالعدد الكبير من القصص التي ترد فيها المرايا بكثرة. المرآة والقناع، سنة 1975، هي حكاية ذات مغزى أخلاقي حول قصيدة القصائد، القصيدة الأخيرة التي تمحو كل القصائد الأخرى، مثلما يمحو كِتابُ الكتب كلَّ الكُتب الأخرى. في أزمنة خلت طلب ملك إيرلندا من شاعره الملحمي كتابة قصيدة تمتدح انتصاراته. وفي نهاية السنة عاد الشاعرُ إلى البلاط وألقى قصيدة طويلة أثارت إعجاب الملك واستحق عليها مِرآة من الملك. ولكن الملك طلب منه قصيدة أخرى أكثر جمالاً منها أنشدَها الشاعر في السنة التالية بسحر، جعل القصيدة، على قِصَرها، تبدو عصية على التجاوز. منحه الملك قِناعا من ذهب، وألحّ في طلب قصيدة ثالثة، متذرعاً أنّ الأشياء الجميلة لا تأتي إلا ثلاثاً. بعد سنة من العمل الدؤوب، عاد الشاعر إلى البلاط. كان الشاعر قد تغيَّرَ وبدا كما لو أنه إنسان آخر وأصبح أعمى*. بعد تردد أنشد قصيدته الغنائية التي كانت عبارة عن سطر واحد. تأثُّرُ الملك بالغ التأثر بهذا البيت الشعري الذي يعبر عن كل عجائب العالَم جعله يمنح هدية أخيرة للشاعر: خنجرا. اقتسم الاثنان نفس الخطيئة: «خطيئة معرفة الجمال، وهي نعمة محظورةٌ على البشر». انتحر الشاعر عند خروجه من القصر، في حين أن الملك أنهى حياته متسولا يجوب طرق مملكته السابقة. ليس بمقدور البشر رفع لغز الوجود ومعرفة «الكلمة التي تلخّص الكون» أو المعادلة التي تحتويه جميعاً.

مما له دلالة أن المرآة، بالنسبة لبورخيس، توطئة للقناع، والقناع توطئة للموت. المِرْآة تَعْرِض وتُخفي بنفس الضوء، لأن الانعكاسات التي تنتجها تُضاعِف النموذج، ولكنها تُنجّيه من الرؤية، بسبب فيض الصُوَر. مخاتلة المرايا، تم التعبيرُ عنها بشكل يثير الإعجاب، في قصيدة المرآة التي نشرت سنة 1976. يُميط بورخيس، هنا، جانباً من القناع وهو يَكشف كيف أن خوفه من المِرْآة اتخذ أشكالاً متنوعة من الطفولة إلى الشيخوخة وعند الاقتراب من الموت: 

«حين كنت طفلاً، كنت أخشى المرايا،

وأن أرى فيها وجهاً آخر غير وجهي،

أو قناعاً أعمى غير شخصي

يخفي دون شك شيئاً

فظيعاً».

على صورة بورتريه دوريان غراي، فإن المِرآة تحرّر، هنا، قوة استيلاب يهدد بالكشف، كما في القصة السابقة، تحت المرآة، عن القناع، وتحت القناع، عن الموت. يوجد هنا هاجس حقيقي للتشويه والذي هو الشكل الرمزي لخسران الهوية. إزاء «قناع أعمى لا شخصي»، سيكون محكوما على الطفل بنوع من فقدان الذاكرة الأنطولوجية تمنعه، تحديداً، من أن يكون شخصاً ما. ولكن المرآة لها وجهان، ويمكنها أن تُرسل صورة أخرى مختلفة:

“الآن،

أخشى أن تخبّئ لي المرآة،

الوجه الحقيقي لروحي،

مخدوش بِظلّ وخطايا، 

الذي يراه الله، والذي يراه الرجالُ،

ربّم”.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان