ثقافية

مـشــــــــرحـــة بـغــــــــــــداد

ــ رواية  الجزء التاسع ــ

 
برهان الشاوي / برلين
 
الليل في بغداد مرعب. شوارع مقفرة وزوايا معتمة يطن فيها الصمت. لا كهرباء ولا أضواء، ولا دبيب حياة، إلا في بعض المناطق التي يسكن فيها بعض السياسيين وقادة الأحزاب، والتي تضم بعض المطاعم، وبعض المحلات التجارية، والتي تعج بجيش كامل من أعوانهم ومن رجال الحرس الوطني. العتمة هي التي تلون الحياة والموت في بغداد.
حين ينتهي الدوام الرسمي تقفر المشرحة، وتتحول إلى مكان خارج الزمان والمكان، خارج التاريخ. يختفي الكون كله، وتنتقل الحياة في بغداد إلى مشرحة. ففيها صورة الحياة والموت في المدينة المظلمة. وبالرغم من أن المشرحة تكون شبه خالية من الموظفين والأطباء في الليل، سوى الطبيب الخفر ومساعده، إلا أن الطابق الأعلى يضج بأصوات غريبة، وبحركة سرية، لكنها واضحة ومسموعة أيضا. وتستمر الأصوات والحركة إلى الساعات الأولى بعد منتصف الليل. وبالرغم من أن الحارس آدم سعى إلى معرفة مصدر هذه الأصوات والحركة، ولم يكن أمامه سوى أن يسأل مساعد الطبيب الخفر، إلا أن هذا المساعد لم يساعده في إعطاء الإجابة وإنما زاده غموضا، حينما حذره من أن يسأل غيره وإلا فأنه سيحجز في مكان لا مخرج له منه.
زادت حيرة الحارس آدم، فهذا الغموض الذي تضمنته كلمات مساعد الطبيب أثارت فضوله أكثر لمعرفة ما يجري في الطابق الأعلى. كان يتحين الفرص للصعود إلى هناك، لكن لم تواته أية فرصة حقيقية لإرواء فضوله. دائما يجد مساعد الطبيب متربصا له، وكأنه يعرف نواياه، ففي أي وقت من الليل يصعد إلى الطابق الأرضي ناويا الصعود إلى الطابق الأعلى يظهر له مساعد الطبيب في الممر، أو عند الاستعلامات أو نازلا من الطابق الأعلى، أو خارجا من باب أحدى غرف الموظفين المغلقة، ليسأله عما يريد، ولماذا هو يريد الصعود، فيخبره بأنه نسي أن يفتش الغرف إن كانت مغلقة بالمفتاح أم لا؟ فتأتي إجابة المساعد بأن واجبه هو أن يقوم بحركة التفتيش الليلة قبل منتصف الليل، وليس من حقه أن يقوم بذلك بعد منتصف الليل، وفعلا، فأن الحارس آدم منذ عمله كحارس في المشرحة يقوم بالتفتيش في المشرحة ليلا، ودائما قبل منتصف الليل، ولم يحدث أن قام بذلك لعد هذا الوقت. غير أن الأصوات التي يسمعها والحركة الواضحة التي يشعر بها تحدث بعد منتصف الليل، وبعد أن يقوم بجولته الليلية.
دخل الحارس آدم إلى غرفته في الطابق تحت الأرضي. جلس على الصوفة الجلدية، انتبه إلى أن الوقت هو  العاشرة ليلا ً. فكر أن بغداد غارقة الآن في الظلام، الخوف والغدر والموت يتربصان في كل زاوية ومنعطف وزقاق فيها. لم يكن يعرف ماذا يفعل، هل يبدأ بجولته الليلية في المشرحة، أم ينتظر قرب حلول منتصف الليل؟
أجال النظر في غرفته. الكتب التي اشتراها من شارع المتنبي تتراكم فوق بعضها على طاولة في الجانب الآخر من الغرفة الصغيرة، وعند رأسه مجموعة من الكتب وأقراص الأفلام (دي في دي). لا يعرف لـِمَ، وكيف، تذكر أبيات شعر مترجم لشاعر انكليزي، فرددها مع نفسه :
قد سمعت صوت المفتاح
يدور في الباب مرة، ولا يدور إلا مرة
نحن نفكر في المفتاح، كل في سجنه
يفكر في المفتاح، كل منا لا يتثبت
من سجنه إلا عند حلول الليل…
انتبه إلى أن حياته الحقيقية تبدأ في الليل أيضا، ويتحقق من عالم الأسرار في الليل أيضا، فكل  ما يدور في النهار من حركة للمراجعين، ونقل للجثث، وتشريح لها، يكاد أن لا يكون هو العالم الحقيقي والواقعي، وإنما في الليل، حينما تخلو المشرحة من دبيب الناس وحركتهم،  وبالتحديد بعد منتصف الليل، حيث تبدأ الحركة الحقيقية في الطابق الأعلى، إذن، هل عليه أن يتثبت من سجنه كما تقول القصيدة. هل هو معزول وسجين في المشرحة أم حارسها، وحارس الجثث التي ترقد فيها؟
ظل جالسا، ومفكرا في عدم رؤيته أي شيء يثير التساؤل حينما يقوم بالتفتيش؟ لذا قرر أن يتأخر في جولته هذه الليلة إلى ما بعد منتصف الليل. ولكي يقضي الوقت المتبقي في غرفته، ضغط على الريموت كونترول فبدأت التلفزيون يبث برنامجا حواريا سياسيا، فضغط  متنقلا ً بين المحطات التلفزيونية التي كان معظمها يبث برامج حوارات سياسية، وهو بطبعه يكره السياسة والسياسيين، لاسيما وهم يتحدثون بطريقة تكاد تكون واحدة، بل أحيانا يرى بعض من يُطلق عليهم اسم المحللين السياسيين يظهرون في أكثر من قناة بنفس الوقت. لكنه انتبه إلى أن من يشاهدهم على شاشة التلفزيون، بمن فيهم المسؤولين عن مصير البلاد، يبدون وكأنهم يضعون أقنعة على وجوههم، لأنهم يشبهون الموتى بعد التشريح وخياطة الجسد. لاسيما في منطقة الصدر وأعلى الجبين عند حدود فروة الرأس. 
فكر الحارس آدم مع نفسه، لماذا هو يعمل في المشرحة، أليس هناك وظائف أخرى يمكن أن يعمل فيها؟ فحتى أمه الوحيدة صار لا يراها، فقد مضت عليه أكثر من ستة أشهر لم يقم بزيارتها، لماذا؟ هو نفسه لا يدري سبب عدم زيارته لأمه.
انتبه إلى الوقت يمضي بسرعة، فها هي الساعة قد قاربت الحادية عشرة، إذن عليه أن ينتظر ساعة أخرى ثم يقوم بجولته الليلية. فجأة، سمع طرقا على باب غرفته. نظر من البؤبؤ الزجاجي الذي يتوسط الباب، فرأى مساعد الطبيب ينظر إلى العين الزجاجية للباب من الجهة الثانية من الباب، توقف للحظة سائلا نفسه عن سبب مجيئه، ولم يكن أمامه سوى أن يفتح له.
 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان