وجدان عبد العزيز
سبق وان دخلت عوالم الشاعر عدنان الفضلي .. وتجولت في حدائقه الشعرية الحافلة بالبحث عن قداسة الأنثى، بعيدا عما يُسمى الايروتيكية وكل مرة ينأى بنفسه، الا انه يسقط مغشيا عليه بتوسلات شعرية رقيقة مقتربا قدر الامكان من الجسد الانثوي .. واليوم يصرح عبر ثلاث رسائل عابرة قارات الجسد، ليشكل منها طهارة امرأة دنسها بعهره .. كانت كلماته هادئة، وتحمل بين طياتها جرأة تتبرقع بصور الشعر المعبرة عن ذاته القلقة، لهذا انقل ما معناه، انه تُعد نفسية الإنسان بصورة عامة نتاجا لارتباط حتمي بين ثلاثة عناصر: هي دوافع الإنسان وغرائزه ومفاهيمه .. عن هذه الحاجات التي يُراد لها أن تشبع بفعل الطاقة الحيوية الكافيـة ، فالإنـسان شبكة من الرموز التي تعبر عن حقيقته بوصفه شخصية وعلى ذلك لابد من وصف خلجاته ووضعها في ايقونة نصية، لتأتي وظيفة القراءة غير الحيادية، وتعلن عن معاني مختفية، (من هنا كان الشعر اعمق انهماكات الانسان واكثرها اصالة، لأنه اكثرها براءة وفطرية والتصاقا بدواخل النفس، ليكون الشعر وسيلة حوار اولي بين الانا والآخر ووسيلة ايصال اولي، فهو لانغراسه في اعماق الانسان فعال وملزم، انه حُميّا تسري في الانسان، وتسري عبر سلوكه ومواقفه وافكاره ومشاعره في الحياة والواقع)ص92 مقدمة للشعر العربي، يقول الفضلي في رسالته الاولى :
(لم اندلق ..
لم اندلق بعيدا عنك
لم اندلق أصلاً
فلا زلت ربيعك الذي يغوي الأمنيات
وما زلت ..
أميط اللثام عن هروباتك المتكررة
وابحث عن ملامح وجهك ..
بداخل عيون وقحة
ومازلت ..
غير قابل للاندلاق)
حيث عاش انهماكات في تردد وحيرة من عدم الاندلاق، بعلة الالتصاق بتلك المرأة الهاربة والتي تلاحقها عيونه الوقحة .. اذن في رسالته الاولى يقر بعدم الحيادية تجاه المرأة .. اما الرسالة الثانية ففيها ينسلخ من ذاتيته غير النقية، ويعلن صراحة انها من طهر تلك المرأة، سيكون هو أي ذاته .. حيث قال :
(صنيعك أنا
تلميذ طهرك بعد عهري
ما زلت أهشم أفقي
بحثا عن فردوسك المفقود
ذلك الذي التهمه الحوت
على مقربة من القمر
أنا هو ..
هو الذي مارسك غواية ..
في عمق ورقة ألآس
قبل أن يقصم غيرك ..
ظهر الطاولة)
وفي اعتقادي هنا بحث عن جمال الذات وطهرها ويحضرني، ( ” ديدرو ” الذي أقام معنى الجمال على إدراك العلاقة بين الأشياء والأجزاء متبعاً أسلوباً مغايراً لأفلاطون الذي فسر الجمال تفسيراً ميتافيزيقياً ، فلم تعد لدى ديدرو أي قيمة لهذا التفسير في نظره.فقد استعرض ديدرو مسالة الجمال واختلاف الناس فيه على حسب أعمالهم وعلى حسب العصور ودرجات المدنية منذ أقدم عهود الإنسانية حتى اليوم، وقد أدرك ديدرو تأثير العصور التاريخية ودرجة التمدن فيها في إدراك الجمال وتحديد معناه ، ويفسر الدكتور محمد غنيمي هلال معنى العلاقات قائلا :”معنى العلاقات أننا لا نستطيع أن ندرك الجمال في شيء دون أن تقف على ما يحفه من قرائن أخرى ففي الأدب مثلاً لا ينبغي أن نقول أن الكلمة أو الجملة جميلة دون أن تقف على موقعها في الجملة. فديدرو يرى أن الأشياء بذاتها لا ينبغي أن توصف بجمال أو قبح دون الوقوف على العلاقات التي بدونها لا يمكن الحكم على النظام والتناسب والتناسق والملائمة وهي برأيه المعاني التي تدفعنا إلى إدراك الجمال في الشيء الجميل)، فالعلاقات الجمالية التي تربط كلمات الفضلي، هي المفارقات التي تعمق التضاد ومن ثم تتماهى مع المعنى المخفي هي التي تثير شهية البحث عنها من قبل المتلقي، (فالابداع هو القدرة على ابتكار شيء لم يوجد سابقا ويعتمد على مواهب الشخص المبتكر ومعلوماته وخبراته دون ان نهمل محيطه الخارجي الذي يخلق المنبهات والايحاءات التي تربط بين قدراته الداخلية “الذاتية” والبيئة المنشطة لتنمية ما فكر به او ما حاول خلقه)ص103 استرداد المعنى، هذه الرؤية التي تبلورت من خلال طروحات الشاعر أكدها في رسالته الثالثة بقوله :
(وليس لدي من أكاتبه غيرها :
متى .. أنيخ ركاب العمر
على صهوة أرضك السمراء
متى أفارق القحط
متى أيتها التي لم تعن النعاس
متى نبتكر مصحة ..
لجنون وليمتنا
متى نلتقي كعائلة اليمام
نهدل في كل تقلّب
ونحتضن ثمار مضاجعة التأوهات)
ليؤكد امنيته في حالة الاطمئنان لها (متى .. أنيخ ركاب العمر/على صهوة أرضك السمراء)، ويبرأ من حالات الدنس الى حالات الطهر الشرعي، كي يفارق القحط ويحط رحاله.. ليكونا هو وتلك المرأة يمارسان الحياة بتلقائية اليمام وجمالية الطهر، ومن هنا يبان لنا (ان النص الشعري الحديث حوار دائم ودينامي مع الأشياء ، حوار ثر مبني على ديالتيك خاص ، مشحون بقيم أصيلة تتسم بالتشابك والعمق والتعقيد ، يقوم بمهمة تشكيل النسيج الداخلي عن طريق ربط الأجزاء المتوازية والمتقاطعة والمتضادة في النص الشعري ، وينعدم في هذا الحوار ذلك التواطؤ التقليدي القائم بين عالم القصيدة ، ومساحة الفاعلية الذهنية المستقلة عند المتلقي ، والمعتمدة على خاصية الإشباع المحايد لمراكز الانتظار والتوقع فيه لذلك فهي تصدم ذوق المتلقي التقليدي بما ينتظر ، بمعنى ان المتلقي سيفقد فيها لذة تعود عليها ، وتأسس نمط ذوقه على أساسها . لذلك فانه سوف يحتاج على هذا الأساس نوعا من تطبيع العلاقات مع عوالم النص الشعري الحديث ، الذي ينهض بذوق المتلقي ويرتفع به إلى مناطق جمالية طرية وطريفة ومباغتة ، تضج بسحر غير قابل للنفاد ، فيكبر وعيه نحو استثمار قدرات العقل على نحو اكبر وأفضل وأكثر جذبا ومتعة.)ص9 تمظهرات، وهكذا تبقى اشعارنا الحديثة مثار جدل بلغتها التي تحاول فيها عبور الحدود المحلية الى الحدود الكونية، بعلة تعبيرها عن خلجات انسانية كبيرة في البحث عن الجمال والطهر ..
مصادر البحث :
1 ـ كتاب (مقدمة للشعر العربي) ادونيس /دار الساقي/طبعة جديدة لسنة 2009 بيروت ـ لبنان ص92
2 ـ كتاب (استرداد المعنى) /عبدالعزيز ابراهيم / دار الشؤون الثقافية العامة ـ بغداد الطبعة الاولى 2006م ص103
3ـ كتاب (تمظهرات القصيدة الجديدة) أ.د.محمد صابر عبيد عالم الكتب الحديث ـ اربد ـ الاردن الطبعة الاولى 2013 م ص9
4 ـ (ثلاث رسائل) للشاعر عدنان الفضلي









