ثقافية

عتبـــات الروايـــة فـــي ( اســم العربــة) لزيـــد الشهيــد

 داود سلمان الشويلي

ينزع الروائيون الى البحث عن طرق واساليب شتى لكتابة نصهم الروائي ، مما يضعهم في صف التجريب في الاشكال التي ستقدم موضوعات روائية جديدة ، وتطرح عوالم وشخوص جديدة على ذائقة القارىء الحصيف، فتعددت اساليب كتابة الرواية ، ونهجت نهجا مختلفا بين رواية واخرى ، حتى بات من الصعوبة بمكان تعداد تلك الاساليب والطرق في تقديم عوالمها واحداثها وشخوصها . الرواية التي سنتحدث عنها في سطور هذه الدراسة هي واحدة من الروايات التي سلكت اسلوبا ونهجا جديدا على الرغم من عدم جدته تاريخيا الا انه اسلوب يمكن ان نقول عنه انه اسلوب مركب بين القديم والحديث . فهو قديم بما يضع من عناوين لاقسام فصوله ، وجديد بما يضع من مقولات شهيرة في بداية الرواية وكل فصولها يمكن ان نسميها عتبات كعتبات ابواب الدار والغرف التي تضمها تلك الدار ، فلكل باب عتبته التي هي القسم الاسفل من اطار الباب المثبت في الجدار ، والدخول الى الدار او الى اي غرفة فيه تتم من خلال عبور عتبة الباب ، وهذا العبور يتطلب سلوكيات وافعال وعادات وتقاليد خاصة ليس عند مجتمعنا الشرقي العربي الاسلامي فحسب ، بل عند جميع شعوب العالم وبصيغ مختلفة ومتعددة . وقد تعددت هذه العتبات في الرواية ، فهناك عتبات رئيسة خاصة بالرواية ككل ، وهناك عتبات فرعية ، اذ لكل فصل عتباته الخاصة به ، واذا كان عبور عتبة باب في الواقع يتطلب سلوكيات واقوال فهو عند قراءة الرواية ، او قراءة فصل منها يتطلب مثل تلك السلوكيات والاقوال من خلال قراءة ما هو مكتوب في بداية الرواية او الفصل كعتبة دخول في عالم الرواية او الفصل. هذه العتبتات ستجعل من ذهن القارىء مستعدا لقراءة ما مكتوب من احداث من خلال استذكار احداث المقولة المكتوبة ، وما اليها من امور اخرى ، اذ تتداعى المخيلة بما اختزنته من ذكريات لها علاقة بتلك المقولة. مصادر عتبات الرواية التي بين ايدينا متعددة ، منها مصادر دينية من القرآن، او الكتاب المقدس ، ومنها اقوال لادباء وفنانين وسياسيين كلها لها علاقة بما يحدث في الرواية.  الرواية تتحدث عن حياة محمد بوعزيزي الشخصية التونسية الذي فجر احراق نفسه الثورة على زين العابدين بن علي في تونس . تضم الرواية اربعة فصول ، كل فصل يضم مجموعة من الاقسام المرقمة والمعنونة ،عدا القسم الاول من كل فصل فقد تركه الكاتب بلا رقم ولا عنوان. تبدأ رواية ( اسم العربة – او الرجل الذي تحاور مع النار) لزيد الشهيد بعتبتين نصيتين، احداهما من الفكر الاسلامي غير المصادق عليه قرآنيا ،وهي تقدم حوارا بين النبي يوسف وشخص يسأله : (( قيل ليوسف عليه السلام : مالك تجوع وانت على خزائن الارض؟ اجاب: اخاف ان اشبع وانسى الجائعين )). تتحدث هذه المحادثة عن الجوع والشبع ، وروايتنا هي الاخرى تتحدث عن الموضوع ذاته بصورة عامة دون  ان تصرح بذلك ، مسألة الجوع في المجتمعات العربية خاصة وهي تعيش على بحر من النفط . الاحداث ترسم لنا صورة لبوعزيزي وهو يحارَب في رزقه اليومي، ويسجن ، وتصادر عربته التي يبيع عليها الخضروات والفاكهة. والعتبة النصية الثانية للرواية ، قصيدة تتحدث عن رجل يأتي بالآمال التي تتولد منها الثورة ، ورواية ( اسم العربة) من بدايتها حتى اخر سطر فيها تتحدث عن الارهاصات الاولية بالثورة ، وكيف بدأت. هاتان العتبتان لتهيئة ذهن القارىء لاحداث الرواية ، والقبول بافعال الشخوص الذين سيديرون تلك الاحداث ، او ان الاحداث تدور عنهم .  في الفصل الاول ، يثبت الروائي في بدايته مقولة الرئيس الامريكي “ابراهام لنكولن ” عندما راى ” هيريت ستاو ” مؤلفة رواية ” كوخ العم توم ” ( 1852 ) اذ قال عنها: ( هذه اذا السيدة الصغيرة التي اشعلت الحرب الكبيرة). وكان هذا الفصل يتحدث عن الشخص الذي سيشكل حرق نفسه ايذانا ببدء شرارة الثورة في تونس .  الفصل الثاني تكون العتبة النصية الاولى هي قول العالم المصري د. احمد زويل الحاصل على جائزة نوبل للفيزياء التي مفادها ان : ” الغرب ليسوا عباقرة ونحن اغبياء … هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح ، ونحن نحارب الناجح حتى يفشل” . هذه العتبة / المقولة تتحدث عن سياسة واخلاقية وتفكير الغرب، الذين يدعمون الفاشل – ولم يحدد فشله في اي عمل – في عمله ، و رواية ( اسم العربة) تتحدث كيف ان بو عزيزي محارب في ان يقدم جهدا كي يعيش. اما العتبة الثاني التي كانت مدخلا لهذا الفصل ، هي مقولة الروائي ” ميلان كونديرا ” والتي مفادها : ان ” الانظمة المجرمة لم يشكلها مجرمون … انما شكلها متحمسون مقتنعون بانهم اكتشفوا الطريق الاوحد الى الجنة” . هذه المقولة تلامس اوتار قلب المسلم بصورة عامة ، اذ ان اغلب الشعب العربي مسلمون ، والذي يتحمسون له ، مهما كان ، هو الافضل عندهم ، لانه حسب اعتقادهم ، هو الطريق الاوحد الى الجنة.  الفصل الثالث يفتتحه الروائي بمقولة النحات العالمي “غوغان” : ” غالبا ما يكون الشهيد ضرورة تحتمها الثورة …أية ثورة ” . تبدأ ثورة تونس بحرق بو عزيزي نفسه / استشهاده – حسب الرؤية الاسلامية – ، حيث كان هذا الاستشهاد كلمة السر في بدء الثورة الشعبية التي اطاحت بابن علي.  ويبدأ الفصل الرابع بعتبة نصية من الكتاب المقدس – سفر المزامير – تمدح الشعب الذي يعرف الهتاف ، اي يعلو صوته : ” طوبى للشعب الذي يعرف الهتاف ” سفر المزامير. وهي دعوة لرفع الصوت والمطالبة بالحقوق ، وبالحرية . اما العتبة النصية الثانية لهذا الفصل ، فهي قول سياسي :” الكفاح لا يتحقق بأدوات القناعة او بمفردات الجمود . الكفاح يتوالد فكرة ويتكرس حقيقة عندما تكون هناك ارادة مثلى للتجاوز واصرار مكين على الخلق … الكفاح كتاب مقدس يضم بين دفتيه سور التضحيات العظمى وصور المعاني الكبرى ” جورج سورا. وهكذا يكتب الروائي زيد الشهيد فصله هذا في رواية ( اسم العربة ) ، ويبني عوالمها واحداثها ، ويصوغ شخوصها بناء على هذه المقولة التي تؤكد بان القناعة الجامدة لا تصنع شيئا ، انما الذي يصنع الثورة التي ستأتي بالتغير هي فكرة وتطبيق تلك الفكرة بارادة واصرار . كانت رواية زيد الشهيد ( اسم العربة ) او( الرجل الذي تحاور مع النار) العنوان الثانوي لها ، هي محاولة لتوثيق الثورة التونسية بقلم عراقي ، انها لاتكتب تاريخا ، بل تكتب رواية تستجيب لشروطات الرواية الفنية .

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان