برهان الشاوي / برلين
رواية الجزء العاشر
كان مساعد الطبيب واقفا. ظل للحظات يتأمل وجهه وكأنه يحاول أن يستكشف من ملامحه شيئا خفيا، ثم ابتسم ابتسامة ذات معنى، وسأل:
•ما الذي جرى يا آدم؟
•ماذا؟ أجاب مستغربا
•لماذا لم تقم بجولتك الليلية لحد الآن؟
•سأقوم بها فيما بعد
•لا.. يجب أن تقوم بها الآن، لأن الطبيب الخفر يريد أن ينام، ولا يريد أي إزعاج، أو شخص يصعد إلى الطابق الأعلى حيث ينام، وهو لا يسمح بذلك بعد منتصف الليل.. فإذا أردت أن تقوم بجولتك الروتينية فعليك أن تقوم بها الآن، وليس فيما بعد.. وإلا عليك إلغاؤها الليلة.
•لكنني سأقوم بها حالا ً.
•هذا أفضل لك، أن تقوم بها قبل منتصف الليل، لأني انتبهت أنك تأخرت هذه الليلة، فقلت ربما أنت مندمج مع أحد أفلامك ولم تنتبه للوقت.
•لا .. أبدا.. سأقوم بها حالا ً..
•إذن.. إلى الغد.. لأني سأذهب للنوم.. فلقد كان يوما ً مرهقاً..
قال المساعد ذلك وذهب، بينما ظل الحارس آدم واقفا ً للحظات، أغلق الباب. جلس على الصوفة. ضغط على الريموت كونترول موقفا ً البث التلفزيوني. لم يكن مقتنعا بكلام المساعد في أن الطبيب الخفر يريد النوم، ولا يسمح بالتفتيش بعد منتصف الليل، بل هناك سر، وعليه أن يكشفه. وبالرغم من أنه وعد المساعد بأنه سيذهب حالا في جولته الاعتيادية، إلا أنه قرر مع نفسه بأنه سيصعد إلى الطابق الأعلى بعد منتصف الليل. فجأة اهتزت الغرفة والمشرحة كلها من صوت هادر هائل. لقد اهتزت السماء بالرعد والبرق، وهطلت الأمطار بشكل مفاجئ وسريع وعلى غير توقع من مرصد الأنواء الجوية الذي يعلن تقديراته يوميا من خلال شاشة التلفزيون. سمع صوت المطر يسقط على الإسفلت خارج المشرحة من خلال الشباك الصغير الذي يطل من جزئه العلوي على أرضية الشارع الخارجي لكن من الجهة الخلفية للمشرحة. أحس بقشعريرة تسري في نفسه. هل سيقدم الليلة على مغامرته بزيارة الطابق الأعلى؟ لكن هذا التساؤل كان متأخرا بالنسبة إليه، فقد كان إصراره على أن يقوم بذلك قد حسمت أي تساؤل متأخر. نهض من مكانه. فتح باب الغرفة خارجا وبيده رزمة من المفاتيح. كان تفكيره متمركزا على الصعود إلى الطابق الأعلى. حين صار في المـمر وقف مفكرا مع نفسه، هل يبدأ بقاعة التشريح وقاعة الثلاجات، ثم يصعد إلى الطابق الأرضي ثم الأعلى، أم العكس. قرر أن يصعد إلى الطابق الأرضي لينتهي منه، منتظرا الأصوات والحركة، عندها يصعد إلى الطابق الأعلى. صعد السلم إلى الطابق الأرضي على مهل. حين صار في الطابق الأرضي ألقى نظرة على الساعة الحائطية التي كانت تشير إلى الحادية عشرة والنصف. عليه إلانتظار لمدة نصف ساعة أخرى. من عادته في جولته التفتيشية أن يذهب يتأكد من البوابة الخارجية، ثم الباب الخارجية الأخرى التي تشكل مدخلا للمشرحة، ثم يتجول في الممرات ليتأكد من الأبواب. حينما توجه إلى الباب الرئيسة كي يذهب إلى البوابة الخارجية، انتبه إلى أن المطر في الخارج يهطل بشدة. وصوت البرق والرعد يهز المدينة كلها بين فترة وأخرى. توقف عند الباب الرئيسة الداخلية. انتبه لوجود ظلال أشخاص يقفون في المطر قرب البوابة الخارجية وكأنهم يريدون الدخول إلى المشرحة. وضع يده أمام عينيه ليتأكد من الرؤية، فتبين له صورة لأشباح ثلاثة في معاطف مطرية وقبعات على الرأس، وهم يحملون مظلات واقية من المطر بأيديهم. كانت الأشباح الثلاثة تنظر إليه بتحد وكأنها تنتظر أن يفتح لها، لكنه ابتعد خائفا. أحس بسريان الخوف في نفسه. تراجع. أراد العودة إلى غرفته، لكن راودته رغبة في التأكد من الأمر، رجع إلى الباب، نظر من خلفها إلى البوابة الخارجية فلم ير أحداً. ازداد فضولا في التحقق مما رآه قبل قليل. جال ببصره في المساحة المتاحة أمامه فلم يجد أي شيء يدل على وجود أشخاص. ظل لدقائق ينظر إلى الشارع الذي يغسله المطر. فجأة لم يعد يرى شيئا، إذ وقف شخص أمامه، على الجهة الأخرى من الباب الرئيسة. الشخص الآخر كان يضع يديه أمام عينيه ليرى الحارس آدم أو يتأكد من وجوده. صرخ الحارس آدم وتراجع راكضا باتجاه الطابق تحت الأرضي حيث غرفته. تعثر على السلم ، وكاد أن يتدحرج إلى الأسفل، لكنه حاول التماسك والتشبث بالسياج الحديدي الذي يلتف مع انسياب درجات السلم، لكنه لم ينزل مباشرة وإنما جلس مقرفصا على السلم، وأطل برأسه بحذر محدقا إلى الباب الرئيسة، فرأى ظل الرجل ما يزال عند الباب، لكنه كان يقبض على مصباح يدوي مضيء يوجهه نحو أعلى السلم الصاعد إلى الطابق الأعلى، وغلى سقف الطابق الأرضي، وكأنه يعطي إشارة ما. انتبه الحارس آدم إلى أن ثمة حركة تأتي من الطابق الأعلى، وسمع وقع أقدام تقترب، فخاف من أن يراه أحد، فنزل السلم مسرعا، وحينما صار في الطابق تحت الأرضي، ركض إلى غرفته داخلا. أغلق الباب خلفه بالمفتاح. جلس على الصوفة وهو يقشعر من الرعب.









