ثقافية

مـشــــــــرحـــة بـغــــــــــــداد

برهان الشاوي / برلين

رواية  الجزء الحادي عشر

 

(5)

الـهـــــــؤلاء .. والمنسييون

من هم هؤلاء الأشخاص الذين كانوا أمام البوابة؟ كيف اختفوا فجأة؟ ومن هو هذا الذي كان ينظر إليّ عبر المدخل الرئيس للمشرحة؟ من أين جاءوا؟ ولماذا في مثل هذا الوقت؟ هل هم من الهؤلاء، زوار الفجر، الذين يأتون عادة بعد منتصف الليل؟ هل هم الذين يثيرون الضجة في الطابق الأعلى بعد منتصف الليل؟

كان الحارس آدم مرعوبا، لكنه بالرغم من ذلك لا يكف عن التساؤلات، بل أنه وبرغم الرعب الذي يهزه فأن رغبته بزيارة الطابق الأعلى وكشف سر الأصوات والحركة المستمرة لم تخفت.

مر وقت طويل على الحارس آدم وهو جالس على الصوفة باحثا عن إجابة في متاهة التساؤلات التي يثيرها هو مع نفسه. نظر إلى الساعة المنضدية فرأى أنها تشير إلى خمس دقائق بعد منتصف الليل. انتبه إلى أنه لا أصوات ولا حركة تأتي من الطابق الأعلى. استغرب الأمر، فعادة في مثل هذا الوقت تكون الأصوات والحركة واضحة.

لم تسحبه من متاهته سوى صوت خافت لوقع خطوات أشخاص ينزلون السلم إلى الممر.  أصاغ بسمعه، فأحس بأن الأشخاص صاروا في الممر. قفز إلى الباب، نظر من خلال البؤبؤ الزجاجي، رأى مساعد الطبيب وثلاثة رجال بمعاطف مطر شتوية يتحدثون فيما بينهم بصوت خافت لكن يمكن سماعه وتبيان مضمونه.وقفوا عند بابه. كانت على وجوه الرجال الثلاثة ملامح صارمة وكأنهم يريدون أن يطرقوا الباب، لكنه سمع المساعد يقول لهم:لا داع أيها السادة. صدقوني، هذا الحارس غبي، ومجرد سؤاله ربما سنثير شكوكه أكثر. هو لا يتكلم مع أحد تقريبا، ولا يسأل إلا نادرا، بل لا يجيب على الأسئلة تقريبا. وكان يسمع بعض الأصوات لكنني طمأنته. وأعتقد انه نائم الآن. 

فقال أحدهم بصوت خافت لكنه صارم وحاد:

• لكني رأيت شخصا عند الباب ينظر من خلال زجاج الباب الرئيسة، باب المدخل. ثم اختفى فجأة.

فقال المساعد بنبرة من يحاول تهدئة الآخر وإقناعه:

• من المؤكد أنه ليس الحارس. فقد كنت عنده في حدود الساعة الحادية عشر، وقال لي بأنه سيقوم بجولته الروتينية حالا، وكما أعرف جيدا أن الأمر لا يطول أكثر من ربع ساعة، وهذا يعني أنه لم يكن الشخص الذي رأيته يا سيدي حاج آدم العسكري.

فسأل شخص آخر بنفس النبرة قائلا ً:

• من يكون إذن؟

صمت المساعد لحظة ثم قال بطريقة ماكرة وعلى شفتيه ابتسامة خبيثة:

• ربما من هؤلاء المنسيين الذين بقوا لدينا، ولم نخرجهم، أو ممن خرجوا وجئنا بهم ثانية؟ فكما تعرف هؤلاء غير منضبطين ويستهزئون بكل ما نقوم به. 

صمتوا جميعا، وكأنما ما قاله أقنعهم، لكن أحدهم قال:

• أعتقد أن الذي كان هو الحارس وليس أحد من هؤلاء.. لكن ربما أنت على حق أيضا. لنذهب إذن.

كان الحارس آدم عند الباب من الداخل. إحدى عينيه مثبتة بالبؤبؤ الزجاجي. سمع كل ما دار بينهم من حوار، ورآهم يستديرون راجعين، صاعدين السلم، إلى أن اختفى صوت وقع أقدامهم. 

ظل واقفا للحظات، مفكرا بهؤلاء الرجال الثلاثة؟ كيف دخلوا إلى المشرحة؟ ولماذا دافع الحارس عنه؟ ومن هم هؤلاء المنسيين؟ أين هم؟ وماذا يعني هذا، هل هذا يعني وجود قاعات أخرى في الطابق الأعلى؟ ولماذا يأتون بالناس الأحياء إلى هنا، هذه مشرحة؟ لكن أين يحفظونهم؟ أنه يعرف الطابق الأعلى لا توجد فيه سوى غرف الطبيب الخفر، ومدير المشرحة الذي يكون دوامه صباحيا فقط وغرفة السكرتارية الخاصة به، وقسم الحسابات،ولا يوجد في الطابق الأعلى غير هذا؟  

جلس على الصوفة الجلدية شاعرا بالضياع. ماذا عليه أن يفعل؟ أحس أنه في الأشهر الأخيرة صار لا يعرف نفسه جيدا؟ صحيح أنه كان دائما بالكاد يعرف نفسه، وكان يحس بطعم آخر للحياة، حيث كان يزور أمه المسكينة ويعطيها معظم ما يقبضه من المشرحة، ولا يستقطع منه إلا ما يحتاجه لشراء الكتب والمجلات وأقراص الأفلام، إلا أن كل ذلك اختفى فجأة، كل شيء تغير. فقد الرغبة في كل الأشياء، حياته تحولت إلى روتين قاتل في هذه المشرحة التي تملأه بالرعب، لأنه يكتشف يوميا أشياء جديدة تثير الخوف والتساؤلات المرعبة. 

فجأة راوده شعور بأن عليه أن يعرف كل شيء لأنه حارس المشرحة، والمسؤول عن كل ما فيها من أشياء، جثثا وكتب وأدوات، وأسرار. لكن أية أسرار وهو لا يعرف ماذا يجري في الطابق الأعلى؟ ولا يعرف من يدخل ومن يخرج منها؟ بل هو لا يعرف وظيفة هذا المساعد أصلا؟ فهو أكثر أهمية من الجميع.لم يستطع الحارس آدم الرقاد. حاول ذلك بعد أن تمدد على الصوفة الجلدية وغطى نفسه بالبطانية القطنية، لكن دون جدوى. فجأة، سمع أصوات موسيقى تأثيرية كتلك التي تصاحب أفلام الرعب، موسيقى متوترة، موسيقى تصاحبها أصوات جموع كورالية، موسيقى حزينة ومتوترة، تبعث الرهبة والانتعاش في النفس. كانت الموسيقى تأتيه من بعيد.

قام مقتربا من النافذة متتبعا الموسيقى، فعرف أنها تأتي من الطابق الأعلى، ومن جهة غرفة الطبيب الخفر. كيف ذلك والوقت الآن، كما تشير عقارب الساعة، هو منتصف الواحدة بعد منتصف الليل ؟تملكته إرادة غريبة في أن يصعد إلى غرفة الطبيب الخفر، لأن صوت الموسيقى يعني أنه لم ينم بعد؟ وهذه الموسيقى تدعوه للصعود إلى الأعلى بجاذبية سحرية. 

نهض واقفا، نظر في أرجاء غرفته نظرة سريعة مستعرضا كل جوانبها، لكن دون أي هدف محدد، وخرج.كان الممر خاليا، توجه إلى السلم صاعدا بحذر. ليس ثمة أحد في الطابق الأرضي سوى هذا السكون الثقيل الذي يقبض على النفس بقوة. لم يعد يسمع أي صوت يأتي من الطابق الأعلى. كيف توقفت الموسيقى؟ هل هناك من انتبه له؟ لكن لا أحد هنا، فحتى المساعد الذي يظهر له في أي محاولة للصعود إلى الطابق الأعلى بعد منتصف الليل قد اختفى. ما أن وضع قدمه على درجة السلم المتجه إلى الطابق الأعلى حتى أحس بالارتباك والخوف والتردد، لكن إرادة المعرفة لديه كانت أقوى من كل هذا. صعد السلم بخطوات حذرة، لم يستخدم مصباحه كي لا يثير أحدا، إذا ما كان هناك من أحد.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان