ثقافية

محاولـــة عولمــة الأجنــاس وتجــاوز المعانــــاة

في قصيدة (غريب .. بلا خليج) ، عمق صور الفجيعة بالمغايرات اللغوية التي انبثت على مستوى مساحة القصيدة وبذكاء استثمر ادراكه لقصيدة النثر ، حيث يقول :

(وكل المجاديف عكازة .. لجراح (البلم) ..

تمر الطيور منكسة ريشها ..

فوقهم ..

مرقطة بالهديل ..

ومزهوة بالظلام ..

فهذي المدينة ممنوعة في الوقوف ..

وممنوعة في القيام ..

وكل الغصون مفارز موت ..)

 وجدان عبدالعزيز / الجزء الثاني

 
(فقصيدة النثر معادلة اشكالية قاطعة لاتقبل حلولا وسطا ، فهي اما ان تكون قصيدة على وفق قياسات شعريتها المعروفة ، واما تنتهي الى الاخفاق ، ولا تكون عند ذلك اكثر من نثر عادي ، وبهذا فانها ليست سهلة كما قد يتصور بعضهم ، انما هي في غاية الصعوبة والدقة والتركيز وشدة الانتباه.)2ـ1، والقضية الهامة الاخرى ، هي التناص ، يقول بارت حول التناص : انه (يفيد في مقاومة قانون السياق المنغلق فيؤكد وجود سياقين على الاقل ومن ثم فان العبارة التي تنتج معنى ممكنا لاتلغي غيره من المعاني التي تصله بنصوص متغايرة ، والنص والمتناص يتضمن المؤثرات والمصادر والاصول)5، حيث استثمر السراي الاغنية الشعبية الاكثر حزنا والتي يرددها الحمام حين ينوح على الشجر ، وكان يسكن الشاعر سؤال متوالد عبر اكثر القصائد بصور مختلفة .. (اين مدينته الـ لاتزال ..؟!).
                             ***
 واستمر في قصيدة (عتيق للبيع) و(بهدوء اخرس) ، وقد يكون التأويل الاقرب في اكتشاف ذات الشاعر بذاته ، وهذه غنائية اختص بها السراي ، لانه (بائع متجول في اروقة النسيان ..)، وكانت مغايراته اللغوية ، قد وصلت الى ذروة التعبير عن ذاته الجمعية ، أي ذاته المذابة بذوات الجميع، لـ(ان هم التحول والمغايرة ليس هما شكلاً محضا تفرضه ضرورات الحاجة الفنية المحض للخروج على النسق واستيلاد اشكال بديلة ، بل هو همّ كوني حيوي وثقافي وحضاري يتسم بشمولية الاحتواء وكلية المعنى.)2ـ2 ، ومن هذا المنطلق، يستمر السراي بانثيالاته اللغوية المفارقة ، وكأني به في صدد صناعة مشغل لغوي خاص به ، يقول :
(ارسم كوكبا .. تزفه النجوم بعيدا عن المقصلة ..
ارسم وجها للمتشابهين .. وشارات تميزهم عن 
وجوه بيضاء بلا شامات ..
ارسم احمر شفاه .. لمراهقة غضة .. لايعرف حبيبها .. الا طعمه
فالضوء القصير يذيب الالوان ..
ارسم ليلة دافئة لأضلاع ترتجف ..
ارسم للهور ربطة عنق تكتف جفافه الاخرق ..)
وفي هذه النقط، يعمد اضافة الى مفارقاته ومغايراته اللغوية ، يعمد الى انسنة ما هو محيط ، وخلق حوار دائم معه لا يكون بالضرورة بديلا كاملا عن جنس البشر ..فـ(هل يكشف الفن عن حقيقة ؟ وان كانت هناك حقيقة يعبر عنها الفن فما هي هذه الحقيقة وما صلتها بالواقع الانساني ؟ ومن ثم هل يمكن ان يوصف الفن بالصدق او بالكذب ؟ ومتى يكون الفنان صادقا ؟ ، لقد كانت هذه الموضوعات مثار تساؤل الفلاسفة ، فحاولوا تبين الصلة بين القيم الفنية متمثلة في الجمال ، والقيم المعرفية كما تتمثل في الحق.)6 والظاهر ان رؤية الشاعر الجمالية تكمن في القلق المتصاعد في البحث عن كنه الحقيقة …
(هم .. دائما .. هكذا ..
بشر يجيدون الحياة ..
مشكلتهم .. انهم غير صالحين لموتنا الدائم ..
ومشكلتنا اننا لا نفهم مشكلتهم ..
فننعتهم بالجبناء ..
(حين ينصرون اخاهم ظالما او مظلوما ..) ..
و(حين يخلصون لزوجة واحدة ..) ..
و(حين لا يتعاركون في الاصطدامات ..) ..
و(حين يسامحوننا لحظة طفولاتنا الدائمة ..) ..
وذنبهم .. انهم لم يتبجحوا امام طوارئنا بالاصالة ..
وحداثتنا .. بالقدم ..
ذنبهم .. انهم سكتوا ..
فجلدهم النحيب ..
فيا .. أي هولاء المتبرجون ساعة الحزن ..) “من قصيدة فيروز بين يديه”
                           ***
واذ نحن نحاول استرداد المعنى المتحصل بقراءة متأملة بامعان بين الاسطر ، نقول : (اذا كان الادب منظومة لغوية يجب الوعي بممارستها ، فان النقد هو وعي هذا الوعي وتمثيله وذلك عن طريق فك الرموز اللغوية وتحليل الكلمات المتواترة او التي لها دلالة عميقة في النص سواء وظفت بوعي او بغير وعي وفي الاخير البحث عن معاني التشكيل في النص الادبي وقيمة الثقافة)7، اذن ان ديوان (للدرس فقط) ، يحمل اثارة جدلية تحتاج للقراءة اكثر من مرة ، كونه شكل حوارا ذاتيا موضوعيا جدليا ، بمصاحبة المغايرات اللغوية المدهشة كما اشرنا لهذا في اكثر من موضع .. وهنا دلالة على انخراط الشاعر عمر السراي في هم التأثير والتأثر، (فهو لا يعيش في فراغ زماني ومكاني ، ولكنه يعيش ضمن مجتمع حي متحرك يسعى الى التطور والرقي نحو الافضل كما يسعى الى معالجة قضاياه الاجتماعية التي تقف عائقا في طريق هذا التحرك المستمر والمتجدد)8 ، يقول مفيد قميحة حول الاديب انه : (يتأثر بكل اهتزازات الذبذبة الانسانية سلبا وايجابا ويتأثر بكل الوان الطيف الحياتي التي تنسكب في وعاء وجوده كانسان يمثل طبيعة الوجود وممثل لها ، وهو كانسان تاريخي يجب ان يرسم الطريق للاجيال الحاضرة والقادمة عبر ادبه الانساني الثر)9 ، فهل عاش عمر السراي مشاعر المعاناة فقط ، ام انه حاول البحث عن تجاوز وعن حلول .. مازال ديوان السراي ، يقبل القراءات ، وحتى الاجابة عن مثل هذا التساؤل ..؟؟؟
مصادر البحث :
1 ـ كتاب (تداخل الفنون في القصيدة العراقية الحديثة) الدكتور كريم شغيدل /دار الشؤون الثقافية العامة /سلسلة رسائل جامعية /الطبعة الاولى ـ بغداد ـ 2007م ص9
2 ـ كتاب (الفضاء التشكيلي لقصيدة النثر) أ.د.محمد صابر عبيد /نقد5 دار الشؤون الثقافية العامة بغداد العراق ط1 2010م ص8 و115 و83 حسب تسلسل الاقتباس في الدراسة 
3 ـ كتاب (مقدمة في الشعر العربي) ادونيس /دار الساقي /بيروت ـلبنان / طبعة منقحة ومزيدة 2009 م ص97
4 ـ كتاب (تحولات النص الجديد) جمال جاسم امين /دار الشؤون الثقافية العامة /سلسة الموسوعة الثقافية 95 الطبعة الاولى ـ بغداد ـ 2010م ص49
5 ـ كتاب (التناص في شعر الرواد) احمد ناهم /دار الشؤون الثقافية العامة /سلسلة رسائل جامعية /الطبعة الاولى ـ بغداد 2004م ص25
6 ـ كتاب (فلسفة الجمال) د.أميرة حلمي ـ مشروع النشر المشترك ـ دار الشؤون الثقافية العامة بغداد العراق ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة ص48
7 ـ كتاب (سرديات النقد في تحليل آليات الخطاب النقدي المعاصر)حسين قمري /منشورات دار الاختلاف /ط1 1432 ـ 2011 م ص23
9 ـ كتاب (الادب والفن) حسين علاوي /دار الشؤون الثقافية العامة /دراسات / الطبعة الاولى ـ بغداد ـ 2009 م ص9
10  ـ كتاب (الاتجاه الانساني في الشعر العربي المعاصر) مفيد قميحة /دار الافاق الجديدة /بيروت ص119
11 ـ ديوان (للدرس فقط) للشاعر عمر السراي /بغداد 2011م 
كتاب (تحولات النص) جمال جاسم امين /الموسوعة الصغيرة رقم 95 دار الشؤون الثقافية العامة /الطبعة الاولى بغداد 2010م ص49ـ50

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان