ثقافية

مـشـرحــــــــة بـغــــــــداد

برهان الشاوي / برلين

الجزء الثاني عشر

 

سعى بضع خطوات زاحفا، مقتربا من أول غرفة على مقربة من السلم. سمع حوارا خافتاً، أصوات خائفة تتحاور. زحف بحيث صار قرب الباب، مستمعا للحوار الذي بدا بين ثلاثة أشخاص أو أكثر، فانتابه الفضول للاستماع إليهم فربما سيعرف أين هو من خلال ما يتحدثون فيه. كان احدهم هو الذي يبدو الراوي، ويبدو أنه يروي لآخرين جدد معه في الغرفة، لأنه انتبه من خلال الحوار بأنهم لا يعرفون بعضهم بعضا، سمع أحدهم يتحدث قائلا:

• نعم.. كنت ماشيا في طريقي إلى الفرن، وكما قلت لكم أنا أعمل خبازا. رأيت سيارة للشرطة تقف بالعرض من الطريق وعلى جانبه قاطعة منتصفه، أشبه بسيطرة مؤقتة ومتنقلة، من حيث توجد في هذا المكان سيطرة عسكرية ثابتة منذ سنوات. خفت أول الأمر، لكني استرجعت شيئا من شجاعتي لأني رأيت السيارة العسكرية ولمحت الضابط وأثنين من الشرطة معه. حينما اقتربت منهم، نزل أحدهم وصار في منتصف الطريق، سلمت عليهم محاولا أن أبدو طبيعيا، فردوا السلام بود، اقترب مني ذلك الشرطي الذي نزل من السيارة قائلا:

• أخي، ممكن هويتك الشخصية؟ 

أخرجت هويتي وسلمتها له، نظر إليها وهو يسألني:

• أين تذهب في مثل هذه الساعة من الفجر؟

• أنا خباز، اعمل في الفرن القريب، وهذا هو وقت عملي اليومي، الأخوة في سيطرة الحرس الوطني يعرفوني، أنا أذهب وأجيء في هذا الطريق يوميا.

نظر الشرطي إليّ بتمعن وابتسم، ثم قال لي :

• لحظة، أخي، على السيد الضابط أن يقرر في أمرك.

قال ذلك وذهب حاملا هويتي إلى الضابط الذي كان جالسا في السيارة، تحدثا بهدوء، لم اسمع شيئا مما قالا، لكني رأيت الشرطي يقترب مني باسما ويقول:

• أخي، هناك اشتباه بسيط في اسمك، يمكنك أن تتفضل معنا إلى المركز القريب، الأمر لا يطول سوى ضع دقائق، إنها إجراءات روتينية بسيطة ثم تذهب لعملك، بل نحن سنوصلك إلى الفرن.

ارتبكت حينها، لكني لم أشك في شيء لأن الشرطي تحدث معي بود وبثقة لا تدع أي مجال للشك في صدق ما يقول. وبرغم ذلك قلت له:

• لكني سأتأخر عن العمل، هل يمكن أن نذهب أولا الى الفرن وأخبرهم بأني ذاهب معكم كي يقوموا هم ببقية العمل لحين عودتي؟

فقال السائق الذي كان يسمع حوارنا قائلا من مكانه خلف المقود:

• يا أخي لماذا كل هذا اللف والدوران.. الوقت الذي يستغرقنا في الذهاب إلى الفرن  سيكون أطول وأكثر من ذهابنا إلى المركز، وانجازنا لكل الأمور، وعودتنا أيضا. فلا تطيل الأمر وهيا معنا لتستفيد من الوقت، وإذا ما تأخرنا فسأقوم أنا شخصيا بإيصالك إلى الفرن، هل يرضيك هذا؟  

لم يكن أمامي أي مجال للرفض، فصعدت معهم. حين وصلنا المركز أدخلوني إلى غرفة فارغة فيها بعض الكراسي، وذهبوا. رأيت الضابط الذي لم يتحدث طوال الطريق، يدخل إلى إحدى الغرف، ثم يخرج منها، ويمضي دون أن ينظر إلي، بل حتى الشرطيين اختفيا والسائق الذي وعدني بأن يرجعني بنفسه إلى الفرن اختفى أيضا. 

كنت وحدي في الغرفة، قلقاً، وحيداً، مرتبكا من كل ما حصل لي . فجأة دخل علي شرطي آخر، من غير الذين جاءوا بي إلى المركز، فقال لي بصوت فيه نبرة عدائية:

• أنت آدم  صاحب فندق السعادة؟

فوجئت، فقلت له بارتباك:

• عفوا  ، أنا آدم الخباز ولست صاحب فندق السعادة.

• لا أعرف.. تعال إلى العقيد.. 

شعرت بشيء من الراحة، فقد تبين الأمر إذا ، إنه ليس أكثر من اشتباه في الأسماء والشخوص، فتبعته، فأدخلني إلى الغرفة التي دخلها الضابط أول ما وصلنا إلى المركز وخرج. ما أن دخلت ورأيت العقيد على كرسيه وراء مكتبه العريض حتى طرأ على ذهني سؤال ساذج لا يمكن أن يطرأ في ذهن أحد وهو في مثل حالتي، ألا وهو : كيف دخل هذا الشخص من خلال هذا الباب إلى الغرفة. 

كان جبلا من الشحم، لا ترى من وجهه سوى ثقبين يمكن أن تقول أنهما مكان لعينيه، وفم غطته طبقات من الشحم، لكنه ما أن نظر إليّ حتى شعرت بالارتعاش. عيناه كانتا تشعان حقدا  أصفر، حقداً مريضا، فشعرت بالرعب يسري في كل مسامات جسدي، وعرفت من لحظتها بأني قد ضعت، ولا أحد يستطيع أن يخلصني من براثن هذا العميد الحقود.

جاءني صوته رفيعا، حقودا، سائلا ً:

• هل أنت آدم صاحب فندق السعادة؟

حاولت الإجابة فلم استطع، وبالكاد خرج صوت متحشرج من فمي:

• لا سيدي.. أنا آدم الخباز.

• لا.. أنت آدم صاحب فندق السعادة.. أنت تكذب.

توسلت إليه بصوت أشبه بالبكاء، وبشجاعة نادرة:

• سيدي  العقيد.. الله يحفظك ويخليك. أنا آدم الخباز، أعمل في فندق الأمير الحديث، يمكن أن تسألوا صاحب الفرن عني.. أسمه الحاج آدم أبو الكرامات.. أسالوه.. أنا آدم الخباز.

بدا لي أن العقيد لا يريد الاقتناع بأني آدم الخباز، لأنه لم ينظر إليّ أصلا، وإنما كان منشغلا ً بالأوراق التي أمامه أثناء توسلي له. 

فجأة، شعرت بالرحمة الإلهية تهبط عليّ حينما دخل الشرطي وقدم التحية قائلا:

• سيدي.. السيد الضابط آدم أبو المحاسن يسأل عن آدم الخباز، إن كنتم، سيادتكم، قد  قررتم شيئا بخصوصه؟

أحسست بأن الشرطي الذي أعطيته هويتي كان صادقا في قوله بأن ثمة اشتباه في الأسماء لا أكثر، لكني كنت مخطئا، وقد اكتشفت ذلك فيما بعد، إذ قال العقيد، بترهل واسترخاء:

• قل للضابط بأن يطلق سراح آدم الخباز، فالذي جاءوا به الآن هو الإرهابي آدم صاحب فندق السعادة. خذوه.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان