القنوات الشعرية التي انفتحت على بعضها البعض من خلال قصيدة النثر ، جعلت العلاقة بين الشاعر والمتلقي تتباين من قصيدة الى أخرى ، ليس من باب الذائقة أو التقنية كما هو متعارف عليه في القصيدة العمودية ، بل من ناحية اتساع منظومة البث لدى الشعراء نتيجة تلاقح التجارب الشعرية ،حيث أصبحت قصيدة النثر تحتل مكاناً اكبر بين الأجناس الأدبية الأخرى على مستوى العالم ، ولابد من الإقرار بأنها أضحت قصيدة الحاضر والمستقبل ، كونها الأكثر قدرة على ربط وتوثيق العلاقة بين الصيغة الشعرية والتوغل في مجاهيل الشعر القادمة من كل أركان البلدان المنتجة والمصدرة للأدب. وعالمنا العربي لم يبتعد عن كل هذه التغيرات التي طالت الشعر برغم ان القصيدة العمودية هي رمزه الشعري – لكنه ساير المدارس الحداثية واختط له نهجه الذي يمكن تسميته بالقصيدة العربية الحديثة ، من خلال الانطلاق في أجواء التحديث المتواصل الذي أنتج شعراً اختلفت سماته كثيراً عما هو متداول ، من حيث التوظيف الانفعالي والمكاني كون المجتمع العربي له اشتغالات خاصة به تعتمد الموروث الاجتماعي والأخلاقي وغيرها من مميزاته التي لا يشبه بها مجتمع آخر فكانت له نتاجاته الأدبية التي تخصه .
اهم الاخبار
ثقافية
شحن المعنى عبر الإنثيال الشعري المضبب بالشجن
- 29 يناير, 2014
- 169 مشاهدة
عدنان الفضلي
وأنا هنا أحاول أن اثبت ذلك من خلال تناولي لبعض نتاجات شاعرة وأديبة عراقية نفثت من خلال النثر قصيدتها الخاصة ، وفق أسلوب الانثيال المركز والتناول غير المرتكز على الفوضوية الشعرية التي ينتهجها بعض الشعراء العرب .
فالشاعرة (لمياء الربيعي ) التي انا بصدد إجراء قراءة سريعة لنصوصها ، تحاول ورغم صعوبة المهمة أن تحقق لنفسها تفرداً تؤسس له عبر أشكال توصلت لها دون أن تضعها في اطر أو حدود واضحة ، بل راحت تنتج نسيجاً شعرياً يكون القلب فيه هو المحور ، وتوجت اسلوبها ببنية شعرية تختفي وراء ذائقة وتصور ورؤية يغلب عليها الحس الشعري وجزالة اللفظ ورشاقته.
قلب هذه الشاعرة مليء بالكثير من الحب والعاطفة المشتعلة توزعها على الوطن والحبيب والعائلة ، لذلك لن يصعب على الباحث عنها كشاعرة .. التقاط الصورة الرقيقة والراقية التي تحتويها نصوصها الشعرية التي أنتجتها طوال تجربتها الأدبية
. ففي قصيدة عنونتها بـ (طيش الأفول) وجدتها تؤكد إن الشعر العربي يرتبط تماماً بالموروث الشعبي حتى وان دارته شاعرتنا بمسحة لها سمات – لربما تقمصتها من إنفعالات سابقة لنتاجات روحية ، ، وحتماً إنها تأثرت ببعض الشعراء الحداثيين الذين قرأت لهم . وها هي تقول”
تتلبسني الحيرة
وأنا أعد اهدابي
أحصي ما خلف الظن
من سمرة على وجهي
ذاك المعلق على الجدار
المرتق بتفاصيل ظهيرة ممطرة
أشاجر صيف الكلمات
أصفع المساء
وأنصب خيمة بجوار العزلة “.
وهنا وجدتها تكتب نصها عبر انثيال بصيغة شهادة لواقع تعيشه هي وتعرف تفاصيله ، لكني اجزم إنها كتبت هذا النص دون ان تكون قد أعدت أفكاراً مسبقة ، لذلك تركت أثراً نفسياً فاعلاً في المتلقي لهذا النص من خلال الإسقاط الذاتي على الواقع ، والذي يتشابه في داخل اغلب الأشخاص المتمتعين برقة تزدحم في ثناياها حالات إحباط نفسي ومواجع متوارثة.
أما الصورة اللافتة لدى هذه الشاعرة فهي : إنها حين تسترسل في انثيالها الشعري تذهب ودون وعيها – نحو التضبيب من خلال جمل أراها أنا : متلكئة بعض الشيء برغم كونها مشحونة بالمعنى بحسب تعبير ( عزرا باوند) ، وحين أقول ذلك فلست أعدها مثلبة ، فانا مؤمن جداً بان الشاعر يعيش أحياناً هواجس مضببة ، وحين يبثها قد تضيع على المتلقي الاعتيادي ، لكنها على المتلقي الآخر ستكون شبه واضحة أو واضحة تماما وهذه الصورة وجدتها عبر هذا النص المعنون بـ (لست وحدي من يحلم) الذي أخذت من عمقه هذا المقطع الذي امتلأ بإرهاصات تعود لداخل الشاعرة ذاتها حيث تقول “
أتسع للأنتظار
أعاند شفاء الورد
رغم سعال الحقيقة
في شريان القبل
لم أرتكب الزلل
فليس أمامي الا
أن أرأف بي
أن أحدق مليا
لفردوس بداخلي
لم تطأها قدم لمنفي
سقط نبله على جبيني
”
في نصوص أخرى للشاعرة (لمياء الربيعي) وجدتني أوافقها كثيراً حين أراها تضع الصور الشعرية بدون مباشرة ودون إسراف في النثر لتترك لنا وقفات تأمل ، حين جعلتنا نلتهم تلك النصوص دفعة واحدة ، في حين كان عليها أن تترك المتلقي يستقبل جملها الشعرية بدون المعنى الحرفي لما رغبت أن تقوله او توصله الى من أرادت له ان يعيش تلك التفاصيل . وأظن أن شفافية روح شاعرتنا قد أجبرتها على البوح الصريح عبر السهل الممتنع . فهي امرأة تأثرت بما حولها من صور الحب / الحرب / الدمار / الشوق وغيرها من الصور الحياتية التي يعيشها الإنسان العادي .
وبرغم كل ذلك فإنها صنعت ومن خلال تلك النصوص أفقاً آخر يخصها ، دارته بجملها النقية وانثيالاتها الموغلة بالشجن العراقي الأصيل ، كيف لا .. وهي العراقية المدججة بحزن سومري وشجن توارثته الأجيال العراقية عبر سنين تكررت لستة آلاف مرة ، وتعيش في عالم تحيط به السنة النار من كل جهة وصوب .
وحين أريد التحليق بالقرب من ذلك الأفق ، فلابد من التوقف عند احد تلك النصوص وأعيش تفاصيله ، لأعرف أسباب نزوحها نحو ترك بصمة التأويل في الطرح وقد وجدتني متوقفا هنا عند هذا المقطع الذي أعدت ترتيله لأكثر من مرة ، ووجدتها من خلاله وقد أغلقت باب الاستفهام لتتركنا ندور عند النص ونستشف منه قلقها والوجع المطلق الذي جعل منها تهذي بما جادت به قريحتها لتمنحنا أشياء غير نحيبية ووجع خال من البكائيات التقليدية حيث تقول في نص حمل عنوان (حبلى بالنعوش )”
قدري .. أن ينهض الكذب برئتي
أن أدرج كل الصباحات بموعد واحد
أن أرقص مع الشمس بذراع مبتور
و أتقوس كالمدار حول النار
أشتعل بكل صغاري تلك التي
خلفت كبائر خطاياك!!
ومنحت عفويتي عصمة الغفران “
وقبل أن انتهي من التفاصيل التي احتوتها قراءتي لهذه الشاعرة أود أن الفت الانتباه إلى إني كنت هنا محصوراً بين القارئ والناقد ، بمعنى إني ما استخدمت أدوات نقدية كاملة ولا كنت قارئاً سطحياً مرت به النصوص ولم ينتبه للتفاصيل المثيرة التي تحتويها .
كانت هذه الشاعرة مستفزة لي جداً ، عبر الصور الشعرية التي قربتها لي ، وجعلتني أنظرها مليئة بروح الإبداع والدلالات الجمالية التي تنثرها بدون إطار نثري مزخرف ، بل وفق مخيلة شاعرة قادرة على التشكيل وتركيب القصيدة بحيث لا تكون مماثلة للواقع تماماً . وجعلتني ايضاً اقرأ لها على انها امرأة تحمل مقومات ذوقية سمحت لها باحتفاظها بملامح محلية خاصة ، دون إقحام ملامح لا تعود للمكان الدرامي الشعري الذي تشتغل عليه . وبذلك ابتعدت عن التمرد ولم تتركه يهيمن على نصوصها ويخلطه بالفوضى ، كما يحدث مع بعض الشاعرات العربيات الحداثيات اللواتي لم يتمسكن بسمات القصيدة العربية.









