ثقافية

مـشـرحـــة بـغــداد

كان الحارس آدم يستمع، شعر بإشفاق على هذا الخباز البائس الذي لم يحالفه الحظ بأن يثبت شخصيته وهويته الحقيقية. ويبدو أن زملاء آدم الخباز الذين يشاركونه غرفته تعاطفوا معه أيضا، وكانوا متشوقين لمعرفة مصيره الذي ساقه إليهم، فسمع آدم الحارس صوت أحدهم يسأله: ومن هو آدم الخباز، الآخر، أو آدم صاحب فندق السعادة؟ 

برهان الشاوي / برلين / الجزء الثالث عشر

 
استمع الحارس آدم إلى الخباز آدم وهو يطلق حسرة عميقة من أعماق صدره، قائلا ً:أخذوني مباشرة إلى الزنزانة، وهناك وجدت أربعة آخرين. بدا لي أن كلا منهم لديه قصة شبيهة بقصتي، وعرفت منهم، بأنه كان في هذه الزنزانة خمسة إرهابيين، من عتاة القتلة، من مختلف محافظات العراق. وجميعهم قد تمت محاكمتهم وصدرت أحكام الإعدام بهم، لكن لم ينفذ بهم الحكم، ولكونهم من أصحاب العلاقات والمال والنفوذ، فقد استطاعوا سواء من خلالهم أو من خلال أهليهم، أو الجهات التي ينتمون إليها، بشراء ذمم العقيد والضابط وبعض المسؤولين، بحيث كل يوم تذهب دورية الشرطة لإلقاء القبض على أي عابر سبيل وحمله إلى هنا وإبداله بأحد هؤلاء المحكومين بالإعدام، ولم ينفذ الحكم بهم بانتظار وصول عابر السبيل الخامس الذي سيتم اعتقاله وإعدامه بدل الإرهابي آدم صاحب فندق السعادة، الذي خرج قبل قليل من زجي في الزنزانة باعتباره آدم الخباز واعتباري آدم صاحب فندق السعادة.  عرفت من بقية أفراد الزنزانة بأن الشخص  المدعو آدم صاحب فندق السعادة كان يأوي الإرهابيين في فندقه، بل وهناك كان الإرهابيون يعدون الألغام، ويذبحون الضحايا في حمامات الغرف وفي الطابق تحت الأرضي للفندق، لكنه  كان يغطي على أعماله بتقديم الخدمات الترفيهية للمسؤولين، وأنه أيضا كان يأتي بالفتيات بل وحتى الفتيان العميد وبعض ضباط هذا المركز الذي اعتقلوني فيه. طبعا كل من المعتقلين البقية روى لي قصته، وطريقة إلقاء القبض عليه، والتي لا تختلف إلا في الاسم وبعض التفاصيل الصغيرة، ومكان الاعتقال، عن قصة اعتقالي.في ذلك الفجر نفسه، أخذونا جميعا إلى قبو في أسفل بناية مهدمة ومهجورة، وهناك، وبلا رحمة، وبدون أن يتركوا لنا فرصة أن نتشهد قبل الموت، أطلقوا النار علينا، باعتبارنا إرهابيين وقتلة ومحكوم علينا بالإعدام، بل وإننا شخصيات أخرى غير شخصياتنا الحقيقية، ولكي لا يتم تسليم الجثث المعنية إلى أهليها، لأنه لم يعدم منهم أي شخص، فقد تم نقلنا إلى هذا المكان، ووزعونا على الغرف والزنزانات هنا، وأنا صرت في هذه الزنزانة. .شعر الحارس آدم بالخوف، فهذا الخباز هو ميت إذن؟ لكن كيف يتحدث؟ ربما هو لم يسمع نهاية القصة جيدا؟ وبرغم ذلك شعر بالأسى، والشفقة على آدم الخباز، بل أنه من شدة  تفاعله مع مأساته، نسي المهمة التي جاء من أجلها، وهي استكشاف الطابق الأعلى، كما راودته الرغبة بمواصلة الاستماع لبقية الحوار، حيث كان أحد الموجودين في تلك الغرفة، يريد أن يتحدث، لكنه سمعه يسأل:
•كل هذا يحدث في هذا الزمن الجديد؟ لقد كنت أعتقد بأن ذلك يحدث في زمن النظام السابق، الذي كانت تحصل فيه مثل هذه القصص، لاسيما في التسعينيات، بعد الانتفاضة ضد دكتاتور البلاد. لم أكن أتصور بأن هذا يحدث الآن، وفي الزمن الذي جاء بالضحايا كي يستلموا الحكم؟ لكني، لو أردتم الحقيقة، لا استغرب ذلك، هل تدرون لماذا؟
•لماذا؟ جاء صوت آدم الخباز، وهو يسأل.
–   لأني أنا المدعو آدم كاشف الليل، سليل عائلة كريمة مشهود لها بالتقوى، وأحد المشاركين في الانتفاضة المباركة، التي اجتاحت البلاد في بداية التسعينيات، قد شهدت العجب العجاب مما يجري في هذا الزمان الذي جاء بأخوتي إلى الحكم، حتى صرت أتمنى لو يمكننا الخروج من هذه الزنزانة لنواصل النضال ضد هؤلاء الذين تاجروا بنا، ولنصحح المسار. لكن كما ترون أنهم يلقون بنا في النسيان، بل لا أحد يسأل عني، فأنا هنا منذ سنوات. لقد تم إلقاء القبض علي، مع بعض أخوتي المؤمنين الذين حملوا السلاح معي في مواجهة طغاة العصر. كانت أنباء الانتفاضة التي بدأها الجنود المنسحبون من الكويت تصل إلينا، فسمعنا عن انتفاضة البصرة و الناصرية، والديوانية، والسماوة، والكوت، والعمارة، لذا قمنا، بعد التوكل على الله، بالانتفاضة ضد الطغاة أيضا، فحاصرنا مقرات الحزب الحاكم ورجمناها بالقاذفات. قتل الكثير من أزلام الحزب وأجهزة المخابرات، وتمت السيطرة على المحافظة بالكامل، لكن لا نعرف حينها ما الذي حدث، وكيف استرد النظام قوته؟ فيما بعد عرفنا أن الطاغية استسلم للقوات الأجنبية، ووقع معاهدة استسلام، فقط من أجل أن يبقى على كرسيه، المهم، واجهنا هجوما مضادا من السلطة. هربت إلى الأهور القريبة من محافظتنا. لم أكن وحدي، هناك رأيت المئات من الأبطال الذين شاركوا بالانتفاضة، لكنهم هربوا مثلي إلى تلك الأماكن. ولا أطيل عليكم، بعضنا ذهب إلى بلد مجاور، لكنا آثرنا البقاء والاستمرار بالقتال أو انتظار الفرج. بعد سنوات تسللت إلى البصرة. عملت هناك إسكافيا، ثم حائكا، ثم خياطا، وبائعا للشاي في المسطر، بائع كبة، ومهن أخرى، رغم أني بالأساس مدرس كيمياء في ثانوية ما في محافظتي.  في البصرة تعرفت على عائلات كريمة،طيبة، كثيرة، بعضها كانت لديه علاقة بالنظام والحزب الحاكم ومؤسساته، لكنهم كانوا لا يؤذون أحداً، بل على العكس كانوا يساعدون بعض العائلات التي تقرر السلطة اعتقال أبنائهم الذين ينتمون سرا للمعارضة، سواء كانوا متدينين أو شيوعيين. أذكر ليلة وصول خبر اغتيال أحد المراجع الدينية مع أبنائه. خرجت مظاهرة احتجاجية في البصرة. تم اعتقال أكثر من أربعمائة شخص تم إعدامهم فورا، بل أن بعض الجثث ألقيت في الطريق أمام أبواب أهاليهم، ومنعوا الآباء والأمهات من دفنهم، بل لم يتجرأ أحد أن يقوم بذلك، لأن الإعدام لكل من يقترب من الجثث، بل الإعدام لجميع أفراد العائلة التي ينتمي إليها ذلك الذي تجرأ على الاقتراب من الجثث. هل تصدقون أن الكلاب كانت تأكل من جثث الأبناء أمام أنظار الآباء والأمهات المنكوبين بإعدام فلذات قلوبهم؟
 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان