ثقافية

قراءة في مجموعة ((صيد الامواج )) للشاعر عبدالله طاهر البرزنجي

عبدالسادة البصري

 
((اعوذ بالجسد من برق حرابهم ، اعوذ بالحفرة من فضاء المذلة ، اعوذ بشطآن الدم من شر جفافهم ، بلحمي اعوذ من افواه المديات !! )) ص26 
حينما تقرأ هذه الكلمات لايتبادر الى ذهنك شيء سوى كلمة (تعويذة)بحيث تقف امامها ملتمسا وداعيا لعنوان لابد منه .. انها واحدة من قصائد كثيرة ، بل جميع قصائد مجموعة الشاعر الكوردي ( عبدالله طاهر البرزنجي ) التي تحمل عنوان (صيد الامواج ) الذي وحده يوحي بالشيء الكثير وتساؤلات اكثر !! 
وبما ان العنوان ( ثريا النص ) كما اسماه الكاتب البصري الراحل محمود عبدالوهاب ومعنى ذلك ان اضاءة النص وانفتاحه على ذهنية المتلقي تأتي منه تحديدا ، لهذا اهتم الشاعر البرزنجي بالعنوان وأعطاه ثقلا كبيرا جدا ، حيث اشتغل تجربته هذه او تجاربه متنقلا بين طريقة واخرى لكتابة القصيدة مثل (( التكرار ، التنقيط ، التشظي ،التشكيل ، تبادل الاماكن ، استغلال الورقة (عموديا،افقيا،دائريا)….الخ )) والتي تصب جميعها في صميم المتن عنوانا ثابتا لايتزحزح ابدا،عليك ان تعود اليه حتما او تبحث عنه بين الكلمات !!
(( دائما
يرنو
يرنو 
يرنو
يرنو  
يرنو
يرنو
يرنو 
يرنو 
يرنو
ولايرى
الا الظلام   !!! )) ص56 
(( للزمن وجه
ولنا اقنعة
وجه للزمن 
اقنعة لنا
له
وجه
ولنا
اقنعة
اقنعة  
اقنعة
اقنعة
اقنعة
 اقنعة 
اقنعة
اقنعة
ـــ قال القدماء للزمن وجوه ـــ ص39 ))
مثالان سقتهما لقصيدتين مختلفتين في الشكل والتركيب متشابهتين في المغزى… الاولى تعني ( الاعمى ) والثانية (للزمن وجوه ) الا ان الشاعر تلاعب او رسمهما بشكلين متغايرين ليعبرا عن تجربتين خاضهما في وقت واحد كي يعطينا دليلا كبيرا على اهتمامه بالعنوان حيث يقول في احدى مقالاته (( العنوان عامل متمم لجسد القصيدة )) ص66 .  نترك العنوان الذي يشغل كل تجارب الشاعر عبدالله لنبحث في اشتغالات اخرى مثل تكرار الكلمات ومفارقتها مع بعض اذ تجد القصيدة عبارة عن ثلاث كلمات فقط لكن ترتبط جذريا بعنوانها مثل (( الساعة الخامسة والعشرون)) ص30 التي يكررها الشاعر (7 مرات ) لتشكل قصيدة (لقاء )اي بمعنى اننا سنلتقي خارج الزمن او تحديدا في زمن يلبس كل الاقنعة وكل الاوقات (حلوها ومرها ، اخضرها ويابسها ، حرها وبردها ، مطرها وجفافها …. الخ ) ثم يأتي التنقيط والفراغات وكما اراد لها حكايات اخرى وتعابير اكثر ايغالا في الروح . ان الشاعر هنا يعطيك مساحة للتأمل والوقوف عند قصيدته او الجملة التي يريد ان يكون وقعها اكثر ثقلا على المتلقي من خلال الصدمة والتي تتلاقى ايضا مع تشظي الحروف وبعثرتها على الورقة لتمنح بعدا ثالثا ورابعا وحتى خامسا للقصيدة 
 ( حبال الغسيل حبال الغسيل
حبال الغسيل حبال الغسيل
حبال الغسيل حبال الغسيل
عليها
تتمايل 
ا
ل
ج 
م
ا
ج
م
و
ا
ل
ج
ل
و
د ) ص19 ــ20 
في تجارب اخرى يجعلك تتماهى مع المتن لتبحث عن العنوان كأنك داخل دوامة او امام احجية (( حزورة )) لابد من حلها مثل قصائد ( الاعمى ، الساعة ، الارض ) او يستغل مساحة الورقة ليرسمها لوحة تشكيلية كانها نهران يبحثان عن مصب ثابت ينزلان فيه مثل ( البنادق ، الموت ) انه في تجاربه هذه يشتغل على اللوحة التشكيلية للقصيدة لقد رسم قصائده لوحات معبرة وموحية تماما بكونيتها وانزياحات معناها ، اذ تجد الانزياحات ماثلة من عنوان المجموعة (صيد الامواج ) :: هل يمكن اصطياد الموجة مثلا ؟؟، يجعلك تتساءل في سرك عن المطلوب من هذا الانزياح ليأتيك الجواب ماثلا في المتن من خلال الالم والغربة والاسئلة المرة التي تصدمك في كل جملة وكلمة ..نعم كتب الشاعر عبدالله طاهر  عن معاناتنا جميعا وألمنا جميعا وعذاباتنا جميعا ، بل عذابات الكون كله …انه اشتغل خارج السرب تماما حيث انسن قصائده واعطاها روحا خاصة بها لتعالج الام وكدمات واوجاع الكون باكمله من خلال شخصنة الاشياء ومنحها الصفة الانسانية ( الاحاسيس والتأوهات  ..وغيرها  ) لتكون البديل او الموازي للانسان في دورة حياته والمدافع عنه ايضا (( الجدار ، القدم ، السمكة ،الشجرة (شبيهة الانسان) ، البيوت والعمارات ( تلال الهدم ) ،الساعة ….. ))هنا اعطى لقصائده بعدا اكبر من كل الابعاد ،انه البعد العالمي الكوني .. لقد اشتغل بعيدا عن اشتغالات الاخرين وبالاخص الشعراء الكورد .. ( لم يحاك الطبيعة ولم يبك على رسم درس او حبيبة تائهة ) انه تحدث عن كونية الاشياء بلوحات تشكيلية رائعة جدا ، لقد رسم قصائده بألوان الكلمات واطرها بالعناوين ( ثريا النص )التي اضاءت ماحولها ، بميتافيزيقيته هذه اشتغل عبدالله البرزنجي تجارب راسخة القدم علينا ان ننتبه لها ونفكك مغاليقها واحدة واحدة لنصل الى ابداع هذا الشاعر / الناقد ــ اقول ناقد لأنه تحدث عن تجاربه ( بعضها ) ليعطي مفهوما جديدا للمتلقي ـــ ان الشاعر يجب ان يكون ناقدا لكلماته كي يعرف اين يضع قدمه !! ).
بعد قراءتي لهذه المجموعة التي ادهشتني وجعلتني اقف عندها متأملا كل كلمة وجملة ونقطة وفراغ ، كل مربع ومستطيل ودائرة خرجت بأكثر من محطة اتمنى ان يقف عندها النقاد متأملين مايريده الشاعرفيها وهي ::
1ـ العنوان (ثريا النص )
2ـ التكرار والمفارقة
3ـالتنقيط وتشظي الحروف
4ـ تشكيل اللوحة الشعرية
5ـ كونية القصيدة
6ـ الالم والغربة وهواجس اخرى
7ـ تبادل اماكن الكلمات
8ـ انسنة الاشياء ( شخصنتها )
9ـ التساؤلات وفك مغاليق النص او ماهية الشيء
10ـ الاحجية ( الحزورة )
11ـ استغلال الورقة (مساحتها )
12ـ تفسير النص من خلال الرجوع دائريا للعنوان
13ـ شكلانية النص
14ـ تجربة منفردة لوحدها في الشعر الكوردي من خلال الشعر والنقد معا .
في ( صيد الامواج )وجدت ان الشعر يجب ان يكون كونيا ليتحمل اوجاعنا كلها في هذا الكوكب . هذا ماقرأته واتمنى ان يقرأه الجميع .!!!!
 (( رجل طاعن في الصيد والبحر
في المساء يؤوب منهكا
الى البيت
يجر وراءه شبكة مليئة
بالاسماك 
وفي عز الظلام
يظل قلبه ساهرا
على موجة لاتصطاد بالشباك !! )) ص34 
 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان