برهان الشاوي / برلين
الجزء الرابع عشر
أذكر جيدا ً أن السلطة لم تكتف بإعدام الشباب، من أبناء وأزواج فقط، وإنما أصدرت أمراً سريا بإلقاء القبض على النساء، أخوات وبنات المعدومين من الرجال، وتترك المرأة المتزوجة، وكانت التعليمات تؤكد على اغتصابهن، وإزالة بكارتهن، ومعاقبة هذه العائلات بتكليلهم بالعار. لكنني أذكر جيدا، بأن أحد الضباط العاملين في الجهاز السري للحكومة، ابلغ أهالي العائلات المنكوبة بالقرار، ودعاهم إلى الفرار، وهذا ما تم، حيث هربت مئات الفتيات إلى محافظات أخرى، أو هربن إلى عشائرهن في الريف، ومنهن هاجرن إلى البلد المجاور.حينها صارت البصرة ضيقة عليّ، وخطرة بالنسبة لي، تسللت إلى محافظتي ثانية، لاسيما وان أحوال البلاد كانت مفككة، بحيث يمكن الزوغان من براثن السلطة. لكن لم أكن أعرف أني أتوجه لمواجهة قدري. فهناك في محافظتي، سكنت مع صديق لي، من عائلة متدينة. كان صديقي يعيش مع أخته، وهي فتاة جميلة، ومهذبة، وملتزمة دينيا، ولم نتأخر كثيرا، وبدون رسميات كثيرة، زوجني صديقي أخته. لكن ظروف عملنا السري لم تتح لنا الحياة المستقرة الآمنة، لذا كنا، أنا وأخي زوجتي نتنقل كثيرا.
بعد سنة تقريبا، رزقنا أنا وزوجتي بطفلة رائعة الجمال أسميتها حواء، تكريما ً لأمنا حواء أم البشر، لكني مع الأسف لم أستمر بالعيش لأراها تكبر أمام عيني، ففي إحدى المرات التي كنت أزور فيها زوجتي، وكان أخوها عندنا في البيت أيضا، تمت مهاجمتنا نتيجة معلومات، لا نعرف كيف وصلت إلى السلطة، لأننا كنا ندخل المدينة سرا ونخرج سرا. المهم، تم إلقاء القبض علينا. ولم يطل الأمر كثيرا، فقد مات أخي زوجتي تحت التعذيب، بينما أنا نقلت إلى سجن أبي غريب.هناك قابلت ضابطا من محافظتي، ما زلت أذكر أسمه، آدم أبو المجد. كان أبو المجد يقوم بتعذيبي يوميا، بل أحيانا يقوم بذلك مرات عدة في اليوم الواحد. كان لا يكتفي بالتعذيب وإنما يوجه الشتائم لي، ويسيء لسمعة زوجتي. هذا الضابط نفسه جاء ذات فجر، وأخذني مع بعض الأخوة، إلى سرداب، أشبه بمخازن فارغة للعتاد العسكري، وهناك أطلق الرصاص علينا. وحده كان وليس معه أي من فريق الإعدام الاعتيادي، وكأنه كان ينتقم منا شخصيا. ولكي يخفي هذا الضابط المجزرة التي اقترفها، أخذ يوزع جثثنا على المشارح. واستقر بي المقام هنا منذ سنوات، لا أحد يسأل عني، ولا جهة فكرت بالاستفسار عن هويتي.ما أصابني بالخيبة والأسى والحسرة، ولا أريد أن أقول الندم، لأنني، والآلاف الذي ضحوا بأنفسهم، قمنا بذلك عن إيمان وقناعة، لكن كان معنا، قبل أن يأتوا بك إلى هنا، شاب من أهالي الكوت، شاب في بداية العشرينيات من عمره، أسمه كما أذكر آدم النمر، كان يعمل في مديرية الصحة بالمحافظة،وكانت جريمته أنه يذهب إلى الجامع القريب من بيتهم، وأنه يزور العوائل الفقيرة ليحمل لهم بعض الدواء، فتم اعتقاله وتعذيبه، وإعدامه. الغريب أن أبناء عمومة الفتى آدم النمر، بعد أن عرفوا باعتقاله، وإعدامه، ذهبوا جميعهم إلى دائرة الأمن والمخابرات وقدموا براءة دم منه. والمضحك المبكي في الأمر أن رجال الأمن حققوا معهم أيضا، مستفسرين عن مصدر المعلومات التي أكدت لهم بأنه أعدم، فأخذوا يختلقون القصص حول ابن عمهم، زاعمين أنه مخرب، وأنهم لا يعرفون أنه أعدم لكنهم أرادوا أن يثبتوا ولاءهم للحكومة. ومن مهازل هذا الزمان، وسخرية الأقدار فيه، أن أبناء العمومة هؤلاء، وضعوا صورة ابن العم الشهيد على أبوابهم بعد سقوط النظام، وصاروا يفتخرون بأن لديهم شهيد. وقد روى لي قصته بكاملها، وتبين لي أن الضابط آدم أبو المجد قد تمت ترقيته، وهو الذي قام بتعذيب ذلك الفتى وإعدامه أيضا. لكن ما أثارني أن هذا الفتى كان يتحدث عن أخ له، كان شيوعيا، وهرب إلى إيران، واستقر أحواله بعد، حل وترحال، في الدنمارك، وهو شاعر وكاتب معروف، وأن هذا الفتى الشهيد يأمل أن يقوم أخوه الكاتب بكتابة رواية عن ألمه ومعاناته، ويكشف عن حجم الضيم والظلم والخديعة الذي تعرض هو له، ويكتب عن هذا القاتل آدم أبو المجد.
هذا الشاب القتيل، آدم النمر، من أهالي الكوت، قد تم اعتقاله مرة أخرى في هذه الزنزانة ونُقل إلى جهة مجهولة نتيجة محاولته قتل أحدى الجثث، فقبل سنتين فقط، جاءوا إلينا بجثة رجل في الخمسين من العمر، قال لنا أنه أخ المناضل البطل آدم أبو المجد، الذي يقود لواء لمحاربة الإرهابيين وقتلة أبناء الشعب، وأن الإرهابيين انتقموا بقتله هو لأنهم لا يستطيعون الوصول لأخيه الذي صار من رجال الحكم اليوم. حينها هجم الفتى الشهيد آدم النمر على أخي القاتل، المناضل البطل والقائد الجديد، قائد لواء محاربة الإرهاب، وأحد رجال الحكم الجديد، وأراد أن يقطع رأسه. وكاد أن يحقق ذلك، لكن فجأة دخل علينا رجال أنيقين، ومراتب مختلفة من الحرس الوطني، أخذوا الفتى آدم النمر، متهمين إياه بالإرهاب، وأعتقد إنهم قرروا تقطيعه، فأقصى ما يمكن أن تعاقب الجثة به هو تقطيعها إلى أوصال، أو فصل الرأس عن الجسد.
كان آدم يشعر بأنه مشوش، فهنا كما يبدو غرفة وليست قاعة لحفظ الجثث، ولا قاعة للتشريح، إذن، ما هذا الذي يسمعه؟ هل هؤلاء أحياء أم هم قتلى وشهداء كما يدعون؟ وفكر مع نفسه، ربما لأنهم شهداء فهم أحياء؟ لكنه أجاب على نفسه بنفسه في أن الشهداء هم أحياء عند ربهم يرزقون، وليسوا أحياء َ في المشرحة؟ ثم إذا ما رواه هؤلاء صحيحا، كيف له أن يعيش في مثل هذه البلاد، ولا يعرف ما يجري فيها؟ كيف ينتمي لبلاد صار قتلة الأمس فيها أبطال اليوم؟
التفت إلى الساعة الالكترونية التي تزين الواجهة المقابلة له. كانت تشير إلى الواحدة والربع بعد منتصف الليل، لكن بالرغم من كل ما سمعه، فأنه لم يكتشف أين هو؟ فجأة سمع طرقا على الجدار، خاف، أنصت قليلا واضعا رأسه على الجدار، فسمع صوتا نسائياً يسأل:
• أنتم.. يا أخوتي.. أنتم يا من هناك في الزنزانة المجاورة، هل تسمعونني؟









