(حاوره: معتز رشدي)
ــ الجزء الأول ــ
في كتابٍ حواريّ نهريّ طويل جدًا، يحاورُ فيه الشّاعرُ الشّاعرَ، يخلقُ الاثنان عبر الأسئلة إجابات غطت خمسين عامًا من الفكر والفلسفة والشّعر والسياسة. أن يحاور شاعرٌ (معتز رشدي) شاعرًا هو ابن وطنه ومنفاه (عبد الكريم كاصد) يعني الدّخول في الخيال الصّعب، الخيال الذي يصف الواقع بكلّ عنفه وكلّ نعومته. عبد الكريم كاصد شاعر عراقيّ ومترجم وكاتب قصّة وكاتب مسرحيّة ومحقّق ومحاور: مثقّف من الطراز الأوّل، يأخذنا في حواره هذا الى أكثر العوالم تعقيدًا في السياسة والأدب بأبسط أدوات الكلام وأعمقها. المُتعة في الحُكم عليه تأتي عبر التقاطعات الفكريّة والجماليّة والأدبيّة في حواره السّرديّ متعدّد الأوجه. صُور الشّاعر هنا مدوّخة. حوارٌ عن الموت والغياب والمنفى والوطن والطائفيّة والهويّة والشعر والترجمة. تاريخٌ طويل يسرده الشّاعر والمثقّف هنا ولا يترك زاويةً من زوايا الأدب وعلاقته بالسياسة والفكر والمجتمع إلا ورصدها بدقّة بليغة الأثر. ينقسم الكتاب إلى قسمين: ينفتح القسم الأوّل على عوالم الشّعر والترجمة والسياسة وينفتح القسم الثاني على إبداعات الشّاعر ومختارات دقيقة من شعره. بين القسم الأول والقسم الثاني ينفردُ الشاعر بمقطوعات شعريّة تدخل في سياق الأسئلة وتأخذ مكانها وفق ما يحتّم السؤال وتحتّم الإجابة. يبدأ الحوار من النّهاية. من لحظة المَوت. وفي توجيه سؤال للشّاعر عن موت زوجته حُذام وعن أثره في مجموعته الشعرية «حُذام» وأثره على ما تبقّى من سيرته الإبداعية وسيرته الحياتيّة، يحوّل عبد الكريم لحظة المَوت إلى لحظة حياة، أو هو يحضّر هذا اللقاء بين المَوت والحياة في نقطة تقاطع غريبة في منطقة ظلال لا هي موت ولا حياة ومن هنا يتحوّل موت المرأة إلى نقطة يجتمع فيها الأضداد. بزخم الحديث عن الشّعر الفرنسيّ والانجليزيّ، وأثر كلّ منهما في نفس الشاعر وتكوينه الشّعريّ، يجيب الشّاعر عن معنى الترجمة. وفي إجابات الشاعر يتحدد أفق فلسفيّ فكريّ تنظيريّ، يرسمُ حدودًا جميلة ولذيذة ومركّبة ومفهومة للقارىء في نفس الآن. ففي معرض حديثه عن ترجمة الشعر ومعانيه، يضع الشّاعر رؤيته الواضحة والبسيطة في قضيّة النّقل والتحويل، قائلاً: «يبقى بين التفاعل مع عالم القصيدة والتماهي معه مسافة ينبغي أن يحافظ عليها المترجم، وإلا فإنه سُيُفقد القصيدة حساسيتها، وحساسيته، في آن واحد، ليمكث خارجها في تلك المسافة التي هي ليست القصيدة ذاتها. المترجم الجيد، في رأيي، هو الذي يقدم أحاسيس الشاعر المُترَجم وليس أحاسيسه، هو .. هذه الأحاسيس التي ينبغي أن تتوارى في الترجمة الجيدة. وحين تتقدم أحاسيس المترجم وتصبح طاغية في القصيدة سرعان ما تختفي القصيدة وشاعرها، مخلفةً المترجم مهجورًا، باعثًا على الشك، حتى لو كان صوته الذي يستغيث به جميلاً». ثمّ ينتقل الاثنان للحديث عن الشّعر وعن السّطر الأخير لمعنى الشّعر، وهنا أيضًا يوضّح الشاعر عبد الكريم كاصد مقاصد الشّعر من خلال تجربته، وهي في النّهاية مقاصد تفرض على الشاعر تقصيه عن الفرديّ الخاصّ لتُدخله في السياق الجمعيّ العامّ: «في كل قصيدة جيدة ثمة إشراقات وانبعاثات من ماضٍ سحيقٍ لا يمتدّ في تجربة الشاعر وحده، بل في ما هو أبعد منها: تجربة المجموع. ومن هنا يبدو الشعر العظيم دومًا ذا آفاقٍ تتجاوز الذات المحدودة بهواجسها، وانشغالاتها. إن وعي الشاعر نفسه في القصيدة مسكون بلاوعيه الذي ينبثق، مثلما تنبثق الأحلام والكوابيس، وكلّ ما هو غائر عميق في ذاته الرحبة التي تتجاوز خصوصيتها».
من حديث الشّعر ينتقل الشاعران إلى حديثٍ أكبر وأكثر عمقًا عن الشّعر. يتطرّق عبد الكريم كاصد بإسهاب بالغ الدّقة، إلى الشّاعر رامبو بين مترجميه ودارسيه وموضّحًا سوء الفهم الذي وقع فيه قارئوه ودارسوه في الحُكم على علاقته بأمّه (هنري ميلر وإليزابيث هانسن) والكومونة والرّد على سامي المهدي فيما يخصّ حياة رامبو وعلاقاته وشذوذه الجنسي وإشكاليّة مسألة اغتصابه وادّعاء استمتاعه به التي تطرّق إليها العديد من الباحثين. ويُنهي الشّاعر فصل رامبو الطّويل بتوضيح فكرة بلوغ المجهول التي طرحها رامبو: «أليس في قصائده التي سبقت الكومونة إيذان بقدوم الكومونة؟ وقصيدته عن عبد القادر الجزائري ماذا نسميها؟ أليست نبوءة، وفرادة في ثقافة من الصعب أن تدرك ما تنبأَ به وتناولَهُ في شعره، ثقافة تخترقها العنصرية حتى في كتابات أفضل رموزها اليسارية […] وحتى موقفه من أدباء عصره، كان يحمل هجسًا إن لم نقل نبوءة، بما سيتخذونه من مواقف متخاذلة بعد الكومونة […] ألا يبلغ المجهول حين يتكلم وكأنه يخاطبنا الآن فنصغي إليه، هو الطفل، ونختلف حول شعره ، ونفسره تفسيرات شتى فترضينا جميعًا، لا بسبب أفكاره فحسب، بل بأحاسيسه العظيمة أيضًا..









