برهان الشاوي / برلين
الجزء الخامس عشر
انتبه الحارس آدم بان خلفه زنزانة أخرى، فيها امرأة، وهي لا تناديه هو، وإنما تنادي الذين كانوا يتحدثون قبل قليل، آدم الخباز، وآدم كاشف الليل. سمع آدم الخباز يجيبها قائلا:
• نعم نسمعك. من أنت؟
• أنا حواء المفتي.
• هل أنت وحدك هناك؟
• نعم، أنا هنا وحدي لحد الآن.
• هل تحتاجين شيئا؟
• لا.. لكني أردت أن أقول للأخ آدم كاشف الليل بأني أعرف عائلته.. أقصد اعرف ابنته ربما..
فجأة جاء صوت آدم كاشف الليل، متلهفا، وهو يسألها:
• كيف، هل تعرفين زوجتي وابنتي؟
• ابنتك صارت مذيعة معروفة..
• مذيعة؟
• نعم مذيعة معروفة اسمها حواء البغدادي
• لكن يفترض أن تحمل لقب حواء كاشف الليل وليس البغدادي، فنحن من أهل الحلة ولسنا من بغداد.
• لا أعرف، لكنها مرة تحدثت عن أبيها وخالها،وأن خالها مات تحت التعذيب وتم إعدام والدها.. وقد استمعت لك وأنت تروي قصتك، فظننت أنها هي.
• كم عمرها؟
• أعتقد أنها في الثامنة عشر أو العشرين.
• لا ليست هي، من المستحيل لابنتي أن تكون مذيعة؟ هذا مستحيل، فأمها امرأة متدينة ومن عائلة متدينة، ويستحيل أن تسمح بأن تكون ابنتنا مذيعة.
• إذن أنا آسفة؟
• لكن ما قصتك أنت؟ يبدو انك من أبناء هذا الزمان وهذا العصر الجديد؟
• نعم أنا حواء المفتي. كنت سجينة سياسية في زمن الطاغية، لأن زوجي أعدم كونه شيوعيا، وأخي أعدم كونه إسلامياً، وقد اعتقلت باعتباري من أقرباء الدرجة الأولى للمجرمين المعادين للسلطة والحزب الحاكم، لكن في الأوراق الرسمية لاعتقالي كتبوا أن تهمتي هي ممارسة الدعارة. وقد بقيت في السجن لسنوات طوال.
حينما تم اعتقالي كانت لدي طفلة صغيرة، لا أعرف مصيرها، رغم أني كنت خارج السجن، بعدما جاء الأجانب بجيوشهم الجرارة وأزالوا النظام. لكني رغم ذلك لم أعثر على طفلتي.
• كيف لم تعثري على طفلتك؟
• ببساطة، لم أعثر عليها. سألت عن جيراننا، حينما اعتقلت قالوا لي بأن الأمن أخذوها، بل لم اعثر علي ابني أيضا.
• ابنك؟ قلت أن لديك طفلة واحدة فقط؟
• نعم. هذا صحيح. حينما تم اعتقالي كان لدي طفلة من زوجي، لكن في السجن تم اغتصابي لمرات ومرات، بل صرت عشيقة أحد ضباط السجن، عشيقة، بمعنى أنه كان قد خصني له فقط، وحملت منه، وولدت في السجن ابنا، لكنه أخذه مني. بعد ذلك حملت لأكثر من مرة، وكنت أجهض نفسي بوسائل مختلفة. حين خرجت من السجن عرفت مكانه وذهبت إليه مطالبة بابني، لكنه اليوم صار ذي رتبة عالية في الداخلية، وصار النظام الجديد لا يستغني عن خدماته، وهو الذي أرسلني إلى هنا. المهم، لقد اختلطت الأمور، الكل صار لديهم شهداء، والكل صار سجينا سياسيا، حتى صار المرء يعتقد بأنه لم يبق في البلاد من لم يدخل السجن سوى الطاغية وأبنيه؟ لأكمل لكم الحكاية.
كانت بعض المنظمات العالمية تزورنا، بل وبعض المنظمات الحقوقية أيضا، وتذكرت ذلك وأنا استمع للأخ آدم كاشف الليل حينما تحدث عن الضابط القاتل آدم أبو المجد، فقد كانت تزورنا محامية عراقية، ترافق الوفود الأجنبية التي تزور سجن النساء، وكانت هذه المحامية الشابة تحمل صورة الطاغية على صدرها. أتدرون أنها الآن شخصية سياسية كبيرة في الحكومة؟
• وكيف وصلت إلى هنا؟ يفترض أن تكرمين كونك من السجناء، وأختا لشهيد وزوجة لشهيد؟
• هل تعرف أنني بقيت لفترة طويلة أدور في دوائر الدولة لأثبت أنني لست عاهرة، وأنما سجينة سياسية وأخت لشهيد وزوجة لشهيد؟ هل تعرف إن هذه المحامية التي كانت تضع صورة الطاغية على صدرها حينما تزورنا، حينما قابلتني ذات مرة، بعد رحيل الطاغية وإعدامه طبعا، أخبرت عني بأني كنت أتعاون مع النظام المقبور وأني كنت أكتب التقارير ضدها؟ هذه المرأة صارت اليوم مسؤولة كبيرة في الحكومة، وإنها الآن تأمر وتنهي، بل وصارت تتحدث باسم النساء العراقيات، وتفصل في الحديث عن الظلم الذي تعرضن له.
• لكنك لم تخبرينا كيف وصلت إلى هنا بعد أن صرت حرة وأطلق سراحك من السجن؟
• مثلما وصلتم أنتم، لكن بطريق آخر. فكما أخبرتكم أني لم أعثر على ابنتي، لكني عثرت على ابني، وعلى الضابط الذي كنت عشيقته، والذي هو والده. لقد رأيته على شاشة التلفزيون يروي عن مآسي السجناء في العصر المظلم السابق، وكيف أنه كان يهرب السجناء، ويأوي السجينات، وأنه كان ينقلهن إلى المستشفيات بحجة المرض، ويهربهن من هناك بمساعدة آخرين، دافعا الكثير من أمواله، وأنه.. وأنه، وقرأت اللقب الذي يجمله الآن، وأسمه الكامل، وأنه مسؤول كبير في الداخلية.









