(حاوره: معتز رشدي)
ــ الجزء الثاني ــ
.. أحاسيسه التي هي وليدة أعمق ما في تجربته المعذبة، في مرحلة هي من بين أصعب المراحل التي مرت بها البشرية، وفي قارات لم يطأها قبله إلا القليل. بدون إدراك هذه الأحاسيس لا يمكن فهم شعر رامبو، لأنها، لعمقها، هي التي تميّزه، وتمنحه هذه الفرادة المتجددة دوما. إنها أحاسيس لا تستعار، على حدّ قول مكليش، لذلك يصعب مقارنتها بما قبلها، ويبدو جهد من حاولوا إرجاع شعر رامبو إلى هذا المصدر أو ذلك، وبعض هذه المصادر ثانويّ، هو جهد ضائع، كمن يقارن الخشب بآلة الكمان».
ثمّ ينقلنا الاثنان نحو منعطفات سياسيّة خطيرة ومهمّة في التاريخ العراقيّ الحديث ويشير إلى مكامن الخطر في أحداث سياسيّة كان لها بالغ الأثر على الحياة العراقيّة بكلّ ملامحها، تحديدًا ثورة تموز وتقييمها وتقييم ما تلاها من أحداث وموقفه من الحزب الشيوعيّ العراقيّ:
«لقد كانت مهمة المثقفين الشيوعيين، خاصة، في غاية الصعوبة إزاء ظرفٍ شديد التعقيد، وتهديد مباشر، وسياسة تبدو واقعية في ظاهرها، ولكنها أبعد ما تكون عن الواقع، رغم أنهم كانوا جزءًا منها، ولو اتخذ الحزب موقفا آخر من السلطة الفاشية آنذاك لوفّر الكثير على رفاقه وأصدقائه، من عذابات قادمة، وهجرة شبيهة بهجرات التاريخ، ومنافٍ لم يألفوها من قبل، وعداء متأخر لرفاق قدامى، ولكان ثمة فسحة للناس للتكيف مع المرحلة، بشكل أفضل في مواجهتها، أو التخلص من ظرفها الصعب بالبقاء أو الهجرة، أو في إيجاد الحيل والمناورات الخاصة التي اعتاد إنساننا العراقيّ على التفنن بها إزاء همجية الأنظمة المتعاقبة، وإنْ كان حزب البعث أكثر هذه الأنظمة شراسة أو على الأقل لتردّد الناس في الانتماء إلى الحزب الشيوعي، ولأصبحت قراراتهم أكثر وعيًا وواقعية، ولامتنع الحزب عن قبول أعضائه بتلك السهولة التي أضرّتْ بالحزب كثيرًا، وساعدتْ على اختراقه أمنيًا». ولا يبتعد الشاعر عبد الكريم كاصد عن السياسة ليردّ على المغالطات والاستنتاجات الخاطئة التي جاءت في كتاب «خريف المثقّف في العراق» (محمد غازي الأخرس) حول موقفه من الحرب على العراق. وقد تطرّق كاصد إلى كلام صاحب الكتاب ووقائع وشخصيّات جاءت في الكتاب حول هجرة المثقفين وهربهم واغتيالهم والقبض عليهم. ما يريد أن يقوله هذا الكاتب، باختصار، وببساطةٍ أنّ وقوف المثقف العراقي إلى جانب الدعوة إلى الحرب، يعني ضمنا إقراره بالاحتلال الذي يعمل الكاتب حتى الآن في مؤسساته (قناة الحرة)، ومن قبل كان يعمل، بعمان، في مؤسسات المعارضة العراقية القريبة من المحتل أيضا (مثلما يلمّح إلى ذلك في كتابه)، وإن كان لا يستوقفني كلّ ذلك، أي أنه معنيّ بـ«تصنيع الموافقة» من خلال تعميم موقفه المتوهم، وحشر الثقافة العراقية في ثنائياته، وكأنّ المثقفين العراقيين تتوزعهم كتلة أو كتلتان عنوانها، أو عنوانهما الموقف من الحرب. وهذا محال، ليس في الثقافة وحدها، بل و في السياسة أيضًا وهي الأشدّ خبثًا حتى من الواقع. لا ينسى كلّ من الشاعر معتز رشدي والشاعر عبد الكريم بوعيهما السياسيّ لأهميّة الدور الذي يلعبه المثقّف في جميع المجالات أن يتطرّقا إلى فخاخ القضية الفلسطينيّة فيسأل معتز رشدي:
منذ أن تفتح وعيي السياسي في فترة مبكرة من حياتي ، وأنا أردد لمن حولي: من ليس فلسطينيا ، اليومَ ، سيصبحه غدًا، شاء أم أبى. ماذا ترى أنت؟
ويجيب عبد الكريم كاصد:
«لقد نزح من الفلسطينيين ما يقرب من ثلاثة ملايين ونصف إلى المنفى، ولو أحصيت من هاجر من العراقيين ومن يهاجر الآن من السوريين، فلربما بلغوا هذا العدد أيضا. وقد نشهد في المستقبل، إذا ظل هاجس الحرب قائما، أعدادا تفوق هذه الأعداد الخرافية التي تشبه الهجرات السابقة في التاريخ. والصراع الآن لا يستثني أحدا في هذه المنطقة الملتهبة، لذا تبدو طروحات الانعزال العراقيّ مجرد وهم أناس موهومين». وعن محنة الإسرائيليين يقول كاصد خاتما حواره: «إنّ تصوّر إسرائيل مزدهرة وسط عالم عربيّ من الخراب هي فكرة مجنونة تماما.. هي الخراب بعينه.. خراب إسرائيل ذاتها. إن المحنة ليست محنتنا وحدنا، بل هي محنة الإسرائيليين أيضًا: كيف يقيمون دولتهم وسط الخراب، وفي حربٍ دوما، سواء أكان العرب في الصحراء أو لم يكونوا؟». نحتاج في مكتبتنا العربيّة اليوم إلى عشرات مثل هذه الفسيفساء النهريّة الطويلة، والتي يتقاطع فيها الخاصّ مع العامّ والسياسيّ مع الأدبيّ والجماليّ مع الواقعيّ. حضور الأديب صاحب الوعي العالي لكلّ ما يحدث من حوله بدلا من تغييبه هي مسألة في بالغ الأهميّة في وقت تغيب فيه المرجعيات السياسيّة والأدبيّة ويبتلع فيه الغث السّمين.









