ثقافية

مـشـرحــــــــة بـغــــــــداد

برهان الشاوي / برلين

الجزء السادس عشر

 

طبعاً لم أصبر، ذهبت في اليوم الثاني إلى الداخلية، وبشق الأنفس عرفت مكان عمله وتواجده، ولم يكن الأمر سهلا أبداً لأني حينما سألت عنه، تم التحقيق معي، خوفا ً عليه، فشرحت لهم أني كنت سجينة، وكان هو قد ساعدني ، وأني أريد رؤيته لأشكره، وذرفت الدموع، وقدمت لهم هويتي وأوراقي الحقيقية التي تثبت أني كنت سجينة سياسية فعلا ً، إلى أن صدقوني. المهم، ذهبت إلى مكانه، وطلبت مقابلته، وبعد سين وجيم، وتفتيش صارم، سمحوا لي بمقابلته. طبعا ً هو لم يتوقع رؤيتي، وربما كان قد نساني وإلا ما سمح لي بمقابلته، لكنه ما أن رآني داخلة عليه، حتى تأهب وأخذ سلاحه بيده.

بقينا للحظات ينظر أحدنا إلى الآخر. لقد عرفوني فورا، وربما ارتعب لأني أعرفه جيدا، واعرف تاريخه، ووجهه الحقيقي، لكنه، ولا ادري لماذا، استرخى قليلا، ربما تذكر الليالي واللحظات التي كان بها معي، ولا أخفيكم فقد كان معجبا بي جدا، وكان يكن لي مودة لا يستطيع إعلانها. بقينا للحظات ينظر أحدنا إلى الآخر، ثم التف من وراء كرسيه، بعد أن وضع المسدس على طاولة مكتبه، وتقدم نحوي قائلا، بشكل رسمي بارد، رغم أن نظراته كانت تستكشف جسدي:

• هذه أنت؟ كيف حالك؟ 

• الحمد لله. 

قاطعني سائلا ً، وكأنه يريد إنهاء المقابلة بأسرع ما يمكن:

• هل تحتاجين لشيء، للمال، أو لانجاز معاملة، أو لعمل؟

• جئت أسأل عن ابني.

• ابنك؟ أي ابن؟ أين هو؟ ما اسمه؟ كي نستطيع مساعدتك؟

• ابني الذي هو ابنك أيضا؟

• اخرسي، أي ابن الذي هو ابنك وابني؟

• ابني الذي ولدته في السجن منك؟ ابني الذي أخذته مني؟

ارتبك من صوتي الذي بدأ يعلو قليلا، فقال:

• اسمعي جيدا، يمكنني الآن أن أزج بك في السجن إذا ما واصلت حديثك بهذا الصدد، هل تفهمين؟ أنا لا أعرفك أصلا؟ ولكني رأفة بك يمكنني أن أبحث لك عن عمل.

• أنا لا ابحث عن عمل، وإنما أريد رؤية ابني.

ولا أدري كيف طرأ في ذهني أن الصورة المؤطرة التي على مكتبه هي لابني، فذهبت مسرعة لرؤيتها، وفعلا رأيت صورة لصبي جميل، لكن إلى جانبه تقف امرأة أخرى. التفت إليه صارخة:

• هذا ابني أليس كذلك؟

صمت للحظات، رأيت الصراع الذي يتأجج في أعماقه، لكنه سرعان ما سيطر على نفسه وقال بلهجة عصبية آمرة:

• كفي عن هذيانك هذا وإلا ستنتهين، هل فهمتي؟

ما أن سمعت منه تهديده هذا، وكانت صورة ابني قد فجرت براكين الألم في أعماقي، ففقدت هدوئي وأخذت أصرخ عاليا:

• ماذا، أتهددني؟ ماذا تريد أكثر، أخذت ابني وتريد قتلي؟ سأفضحك وأفضح أمثالك، سأفضح هذا المسؤول الذي كان يقضي لياليه باغتصاب السجينات السياسيات، بينما اليوم هو حامي للعدالة، سأفضح تاريخك الأسود.

لم أستطع أن أواصل كلامي، إذ تلقيت صفعة شلت فكي، وفي لحظة عاد لمكتبه وضغط على جرس هناك، فدخل ضابط عسكري قدم التحية له، وسمع منه غاضبا:

• خذوا هذه المجنونة من هنا، وأخرجوها من الدائرة، وإذا ما عادت ثانية فاعتقلوها والقوا بها في السجن، مفهوم ؟

• مفهوم سيدي

وسحبني الضابط من يدي، ومضى بي خارجا. لم أكن استطع أن أقول شيئا، كانت ضربته قوية جدا، ومفاجئة، لكني، وأنا في الطريق، صرت أتوسل للضابط قائلة:

• صدقني يا أخي أنه أخذ ابني مني. أنا كنت سجينة سياسية، وكان هو ضابطا للسجن، وقد كان ينام معي، وحبلت وولدت ابنا أخذه مني، أنا لا أريد شيئا، فقط جئت أسال عنه، لكنه يتهمني بالجنون. أنا أعرفه جيدا. لقد كان يغتصب السجينات السياسيات ليلياً.

التفت الضابط لي وقال بلهجة فيها مواساة وتحذير :

• اسمعيني يا أختي، لا أدري عن أي شيء تتحدثين، وسواء كان ما تقولينه صحيحا أم لا، فنصيحتي لك أن تنسي كل ذلك، ابنك، وعالم السجن، وما كان يفعله هناك، فلست ممن يستطيع مواجهته. اسمعيني إذا أردت البقاء حية. قادتنا الجدد الذي جاء معظمهم من الخارج لا يعرفون شيئا عن الذين بقوا هنا، فهم يثقون بكل من هب ودب، نحن نعرف الكثير، لكننا نخاف أن نتحدث، فهؤلاء لا يترددون من إبادتنا مع عوائلنا، وإلقاء التهمة على الإرهابيين. اذهبي لحالك، فأنت أثرت على نفسك اليوم عاصفة لا اعتقد أنها سوف تنتهي بسلام.. اختفي من أمام عينيه.

• لا.. أنا زوجة شهيد وأخت لشهيد، وإذا ما كان زوجي شيوعيا، ولا حظ لجماعته في الحكم، فأن أخي من الإسلاميين، وهو شهيد، وأنا كنت سجينة سياسية.

• يا أختي.. أفهميني جيدا.. أنصحك بالابتعاد عن هؤلاء.. فحتى لو صدقك بعض الشرفاء، إلا أنهم لا يستطيعون أن يفعلوا.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان