برهان الشاوي / برلين
الجزء السابع عشر
حينما صرت في الشارع كنت كالمجنونة فعلا. أهذا هو الحال الذي كان يحلم به أخوتي وزوجي وبقية الشهداء حينما ضحوا بأنفسهم. أهذه هي البلاد التي كانوا يحلمون بها؟ لا أدري ما الذي جرى فيما بعد، لكني، صرت أحس بأني مراقبة، وهناك أشباح تظهر وتختفي من أمامي حينما أتنقل وذات يوم كنت في طريقي إلى إحدى الجمعيات النسائية التي تقودها بعض الأخوات المجاهدات، من زوجات الشهداء، وأخواتهم، وقبل أن أصل إلى مقر الجمعية، وعند منعطف الشارع، اصطفت سيارة بيضاء جانبي، سيارة من نوع البيجو ، وقفز منها اثنان، أمسكا بي وأدخلاني إليها عنوة، وانطلقوا بي إلى مكان مجهول. أخذوني إلى مكان خارج بغداد، لأن الطريق كان طويلا، وكنت معصوبة العينين، فلم أعرف أي اتجاه سلكوا. وأخيرا توقفت السيارة، وأخرجوني منها، وأدخلوني إلى مكان ما، ثم رفعوا العصابة السوداء عن عيني، فوجدت نفسي في غرفة مؤثثة بشكل جيد، وبدأ المكان وكأنه شقة سكنية. ورأيت أمامي رجلين أنيقين، ووسيمي الوجه، بلحى خفيفة. ابتسما لي وقالا لي أهلا وسهلا بك. ثم أخذا يطرحان الأسئلة عليّ، عن تفاصيل حياتي كلها، وانتهوا بالسؤال عن سبب زيارتي للداخلية قبل أيام، فشرحت لهم كل شيء. الغريب أنه لم يفاجئ أي منهما حينما أخبرتهم عنه، وعن اغتصابه للسجينات، وقصتي معه. وبعد أن انتهوا من التحقيق معي خرجا. ويبدو أنهما غادرا المكان. بعد ذلك دخل عليّ اثنان تبدو ملامح الشر على وجهيهما ونظراتهما، ولم ينتظرا طويلا، إذ أخذاني من مكاني وأدخلاني غرفة يتوسطها سرير نوم عريض، وبدون أي كلام، ألقياني على السرير، واغتصباني سوية، كل منهما كان منشغلا بقسم من جسدي. الصراخ، الشتائم، التهديد، التوسل، كل ذلك لم ينفع معهم. وحينما انتهوا مني سحلاني إلى غرفة الحمام، وهناك أطلق واحد منهما رصاصة على صدري. ثم لفاني وأتيا بي إلى هنا.
• ومن كان هؤلاء اللذان حققا معك؟
• لا أعرفهما، لكنهما كانا في غاية التهذيب، وأكدا بأن هناك اختلاط في الأشياء، وأنهما سيصححان الوضع.
• أي وضع سيصححان؟ هل صدقتهما؟
• لِمَ لا ؟ لم أر منهما ما يثير الشبهة أو الدناءة التي حصلت معي بعدهما.
• ومن كان هؤلاء اللذان قاما باغتصابك وقتلك؟
• لا أعرفهما؟ لكن كان أحدهما وهو يغتصبني، يصرخ بي : هذا جزاء من لا تسمع النصيحة.
• أية نصيحة؟
• لا أعرف؟ فالكل ينصح في هذا الزمان. حتى في الزمن السابق كان كل من يقوم باغتصابي ينصحني بالسكوت وإلا فستكون العاقبة وخيمة، وتكون نهايتي سوداء، وفي هذا الزمان الكل ينصح، حتى ان التلفزيون صار وسيلة للنصيحة. ثم ..
لم يستطع الحارس آدم أن يسمع بقية قصة هذه المرأة، فقد انتبه إلى أن أحد الأبواب البعيدة قد فُتح وخرج الرجال الثلاثة منه، ومعهم المساعد. لم يكن آدم الحارس يعرف ماذا يفعل، زحف راجعا بكل قوته إلى الدرج، وألقى بنفسه على درجات السلم، وزحف نازلاً بالتزحلق على الدرجات التي كانت ركبتاه ترتطم بها بقوة. وحين وصل إلى منتصف السلم وصار بعيد عن مدى بصر القادمين، ركض بأقصى ما يمكنه من سرعة، هابطا السلم إلى الطابق تحت الأرضي حيث غرفته، فدخلها مسرعا، وأغلق على نفسه بالمفتاح.ظل جالسا على الصوفة لدقائق. فكر في كل ما رآه، وسمعه؟ ما هو هذا المكان الذي رآه؟ أين يقع؟ بالتأكيد أنه ليس الطابق الأعلى؟ لكنه رأى مساعد الطبيب والرجال الثلاثة هناك؟ أحس بالارتباك والضياع أكثر. أحس بأن المساعد والرجال الثلاثة لم يروه، فقد كانوا بعيدين عنه، والطابق يلفه الظلام. أخذ الريموت كونترول وضغط عليه، فأضاءت شاشة التلفزيون، تنقل بين القنوات مستقرا على القناة التي تبث أفلاما بالعربية.
(6)
الـضـيـــــوف
كان الظلام يخيم على بغـداد في تلك الساعة من الليل. ليل ثقيل، ممطر، يخيم على بناية المشرحة التي بدت وكأنها قلعة من العصور الوسطى أو بيت للأشباح.
كان الحارس آدم في غرفته يتابع الفيلم الأجنبي، فقد كانت السينما بالنسبة إليه هي العالم الحقيقي. الحياة دائما في مكان آخر كما قرأ عنوان رواية لكاتب أعجبه.
كان الفيلم الذي قد بدأ منذ فترة وجيزة اسمه (القيامة) يتحدث عن حياة الهنود الحمر قبيل وصول الأسبان إلى سواحل العالم الجديد. حينها أعجبه مشهد من الفيلم، فدون حواره، كعادته حينما يعجبه حوار ما في الأفلام. كان المشهد حينما اجتمعت القبيلة حول النار وهم يستمعون لشيخ هرم منهم يروي حكاية عن الإنسان والحيوان.
كان العجوز يتحدث ووهج النار يضيء وجهه، بينما وجوه الجالسين تنظر بإجلال ورهبة إلى وجهه الذي يشي بحكمة السنين:
• جلس الإنسان وحيدا وحزينا جدا، فجاءت جميع الحيوانات إليه وقالت له: نحن لا نريد أن نراك حزينا، لذلك يمكنك أن تطلب منا كل ما تتمنى. فقال الإنسان: أتمنى أن تكون لي عينان تبصران بقوة. فقال له النسر: خذ بصري. فقال الإنسان: أريد أن أكون قويا. فقال له النمر: خذ قوتي وكن قويا مثلي. فقال الإنسان: أريد أن أعرف أسرار الأرض. فقالت له الأفعى: سأريك إياها جميعا. وهكذا جاءت جميع الحيوانات في طابور لتمنح الإنسان كل ما تملك وما يميزها. وحينما حصل الإنسان على كل شيء قام ذاهبا. عندها قالت البومة لبقية الحيوانات: هكذا حصل الإنسان على كل المعارف وحاز على كل القوى، وبإمكانه أن يفعل كل شيء. وأنا أشعر بالخوف منه. فقال الأيل: لقد حصل الإنسان على كل شيء يحتاجه ويتمناه ولن يكون حزينا بعد الآن ولن يحتاج إلى شيء. فقالت البومة: لقد رأيت فراغا هائلا في داخل الإنسان، فراغا شاسعا كالجوع، وهذا لن يتركه هادئا. لذلك فهو حزين، وسيطلب أكثر وأكثر، وسيأخذ ويأخذ دائما، إلى أن يصرخ العالم ذات يوم: لم يبق عندي أي شيء لأمنحك إياه، لم يبق عندي شيء.









