برهان الشاوي / برلين
الجزء الثامن عشر
حينما انتهى الفيلم شعر الحارس آدم بالخوف، لأن الحياة التي كان يعيشها سكان المايا لم تفرق إلا قليلا عن حياة المشرحة. فالجثث التي يتم شقها وتقطيعها يوميا هي لموتى، لبشر فارقوا الحياة. وبالتالي فهم لا يشعرون بالألم، لكن كهنة المعابد عند المايا كانوا يقدمون الأضاحي بشق صدور الأسرى وإخراج قلوبهم وهم أحياء ثم قطع رؤوسهم ودحرجتها من أعلى المعبد الذي بني على شكل هرم فرعوني.
في هذه الأثناء سمع آدم صوت بكاءآت من الممر. صوت صبي ينادي أمه. ظن أن صوت البكاء قادم من التلفزيون. فأخفض الصوت، فجاء الصوت واضحا من الممر.
أحس آدم الارتباك الممزوج بالخوف والدهشة. أبقى صوت التلفزيون منخفضا إذ يمكنه قراءة الترجمة. بالرغم من أن الفيلم قد انتهى. لكن صوت البكاء لم ينته. كان ينخفض للحظات، ويصمت للحظات، لكنه يعود عاليا في أرجاء الممر.نهض بهدوء، أخذ المصباح الذي يعمل بالبطاريات معه بالرغم من أن الممر كان مضاء. راودته فكرة غير منطقية أو معقولة، لكنه حاول من خلالها تفسير هذا الصوت الذي يسمعه، فربما أنه صوت بكاء صبي نسيه أهله في المشرحة، لكنه أجاب على تساؤلات نفسه: من الذي يجيء بصبي إلى مشرحة؟ وكيف لم يفتقده أهله؟ وأين كان هذا الصبي طوال كل هذا الوقت؟ ولماذا يأتي صوته من الممر في الطابق السفلي؟ ماذا لو جاء المساعد والرجال الثلاثة مرة أخرى؟فتح باب الغرفة فجاء الصوت أقوى. خرج إلى الممر متجها نحو جهة الدرج، لكنه انتبه إلى أن الصوت يأتي من الجهة الأخرى المقابلة، جهة قاعة الثلاجات وقاعة التشريح. ركز أكثر فانتبه إلى الصوت يأتي من قاعة التشريح المغلقة والغارقة في الظلام.بحذر شديد وبخطوات مرتبكة وبطيئة اتجه آدم نحو جهة الصوت. وقف أمام قاعة التشريح فسمع الصوت بشكل أوضح، بل لم يكن صوت الصبي وحده وإنما هناك مجموعة أصوات تحاول أن تواسيه على غياب أمه. بغريزته عرف أن هذه الأصوات هي أصوات الجثث.
ارتعب آدم، وعاد راكضا إلى غرفته. أغلق الباب بالمفتاح، وبقي خلف الباب واقفا وهو يحس بقشعريرة تسري في أوصاله. ماذا يجري له؟ هل جن؟ هل ما يراه، ويسمعه، هو حقيقة؟ ومن يصدقه إذا ما روى ذلك؟ في الأعلى سمع قصص أصحاب يؤكدون بأنهم أعدموا، لكنه لم يرَ أي منهم، لكن هنا يعرف هذه الجثث، وأنها في طابقه؟
فجأة سكت صوت البكاء. لكنه سمع ضجة باب يُفتح، وصوت خطوات تتعالى في الممر. الخطوات تتجه نحو جهة الغرفة. أخذ قلبه يدق بقوة. حين وصل صوت الخطوات إلى باب غرفته رفع كفه، لا إراديا، ومسك فمه كي يمنع نفسه من الصراخ.
صمتت الخطوات عند باب غرفته للحظات وكأن هناك من يتنصت على الغرفة، ثم استمرت الخطوات ماشية باتجاه الطوابق العليا في المشرحة. انتبه إلى أن الخطوات لمجموعة تمشي، لكنها تخطو بالتتابع، إلى أن اختفت صاعدة الدرج.لا يدري لم أحس وكأنه تخلص من كابوس خانق. جلس على الصوفة الجلدية. أحس بعرق بارد يبلل جبينه ورقبته وظهره.
كانت شاشة التلفزيون تعيد بث إعلانات عن بورصة الأفلام قد بثتها في بداية المساء. كان الحارس آدم ينظر إلى الشاشة بعيون تائهة لا ترى شيئا. كان يحس وكأنه يسمع دقات قلبه، وراوده إحساس بالاختناق، وبضيق في التنفس.
ظل على جلسته ينظر إلى الشاشة. لم يكن يفكر بشيء، ولا يريد التفكير بشيء. كان يحس بفراغ شاسع في أعماقه. لم تمر إلا دقائق معدودة حتى بدأ الضجيج يصل مسامعه. وقع خطوات على الدرج وهي تهبط إلى الممر. إنهم عائدون. لكن من هم؟
بدأت أصوات خطواتهم تقترب باتجاه قاعة التشريح. وحينما وصلت الخطوات إلى باب غرفته توقفت. فجأة سمع طرقا على الباب. طرقا خفيفا أول الأمر. طرقا أشبه بلمس الأصابع على الباب.هب واقفا برعب. لكنه لم يتحرك من مكانه. ظل جامدا هكذا للحظات، أحسها طويلة بشكل قاتل. كتم أنفاسه، وضغط بكفه على فمه بقوة. لا يعرف كم مر من الوقت، لكنه أحس، ثانية، بطرق خفيف على الباب، طرق كان أوضح من المرة الأولى.بلع ريقه بصعوبة. لم يتحرك من مكانه. فجأة، أفزعه طرق قوي على الباب، ثم تلاه صوت أشبه بالحشرجة وكأنه يأتي من مكان بعيد لكنه واضح:
• آدم … آدم .
أحس آدم بقطرات من البول تبلل سرواله الداخلي. حاول أن يتحرك نحو الباب فأحس بما يشبه الشلل. لم يستطع الحركة. صار الطرق أقوى، بل أحس بأن هناك أكثر من كف تطرق عليه الباب، يرافقها صوت عميق يناديه:
• آدم
لم يستطع أن يفتح الباب، لكنه من شدة الرعب توجه نحو البؤبؤ الزجاجي النابت في وسط الباب، وبيد مرتجفة حرك الغطاء الذي يغطي البؤبؤ ووضع عينه عليها لينظر من خلاله. أحس بقلبه ينقبض، ويهبط في حالة ارتجاف وضعف. وبالبول الدافئ ينساب بين فخذيه.
كانت الجثث جميعها تقف أمام الباب. نظراتها جامدة، ووجوهها جامدة لكنها ناطقة. ظل جامدا في مكانه. كانت تقف أمام الباب، وجوهها المشوهة تأتيه من خلال البؤبؤ الزجاجي. كانت تمد أيديها إليه وكأنها تريد جره من خلال الباب. ظلت الجثث تطرق الباب منادية باسمه، لكنه كان جامدا لا يتحرك. فجأة أخذت الجثث تسير باتجاه قاعة التشريح. مرت وجوهها من خلال البؤبؤ الزجاجي. انتبه إلى أن الصبي معهم أيضا، وكان ممسكا بيد العجوز.
اختفت الجثث مع وقع خطواتها المرعبة، لكنه ظل واقفا. أحس أن الجثث دخلت إلى قاعة التشريح، لأنه سمع حركة باب قاعة التشريح وهو يغلق بقوة. لم يستطع أن يتماسك أكثر، أحس أنه ينهار وأن جسده يخر إلى الأرض. ظل على جلسته تلك لفترة طويلة.









