برهان الشاوي / برلين
الجزء العشرون
(7)
حــــوّاء هــانـوفــر
أنا اسمي حـواء. العائلة التي استضافتني هنا في بغداد أطلقت عليّ اسم (حواء هانوفر) لأني جئت إلى العراق من مدينة هانوفر بألمانيا التي أعيش فيها منذ خمس عشرة سنة تقريبا. عدت قبل أقل من شهر لأراجع هيئة نزاعات الملكية في بغداد لاسترجاع أملاكنا التي تمت مصادرتها في بداية الثمانينيات، وأيضا لاستخراج وثائقي العراقية كالجنسية وجواز السفر. صحيح أنه لا معارف لدي في بغداد لكن أخت إحدى معارفي في هانوفر استضافتني لديها، بل وساعدتني بإرشادي على المؤسسات والدوائر التي عليّ مراجعتها. تركت زوجي وأطفالي في ألمانيا وجئت وحدي.
(هنا بدأت المرأة – الجثة تبكي، كما بدا التأثر على وجوه الجثث الأخرى.).
إنني أشتاق إليهم جدا، ويحزنني أنني لن أراهم بعد الآن. من الطبيعي إنهم لا يعرفون أنني قد قتلت أو يمكن القول ذُبحت في الانفجار، فكما تعرفون أن شظية قد قطعت رقبتي من الوريد إلى الوريد. أنا أشتاق إلى ابني الصغير جدا. إنه يبلغ من العمر سبعة أعوام. بالمناسبة إنه من زوجي الثاني. لدي من الأول ولدان، ابن وابنة، ومن الثاني ابنان. زوجي الأول قُتل، قتلهُ أخوه وذلك بعد وصولنا إلى ألمانيا بأقل من ستة أشهر. (بدأت علامات الدهشة والفضول والتعاطف على وجوه الجثث الأخرى التي كانت كل منها جالسة على سريرها).لا تستغربوا، فحكاية قابيل وهابيل تتكرر كل يوم، وفي كل زمان ومكان. سأحكي لكم كيف حدث ذلك، لأني أرى استفسارات كثيرة في وجوهكم. الحكاية وما فيها بدأت بعد إعدام أخي الأكبر بتهمة الانتماء إلى إحدى الأحزاب الدينية، على الرغم من أنه كان شيوعيا، بل وقد اعتقل حينما بدأت السلطة باعتقال الشيوعيين. فبعد أسابيع من التعذيب وقع على تعهد بعدم ممارسة السياسة وترك الحزب الشيوعي. لكن بعد سنة ونصف تم اعتقاله ثانية بتهمة النشاط الديني وكتابة شعارات ضد الحكومة والحزب القائد. لم يعد إلينا، وحين بدأ والدي بمراجعة الجهات المسؤولة ودفع الرشاوي لمختلف المراتب، علمنا أنه اعدم مع مجموعة أخرى من الشيوعيين بتهمة الانتماء لحزب الدعوة الإسلامية؟.لم تكتف السلطة بإعدام أخي وإنما صادرت البيت الذي كنا نسكنه ومحلات أبي التي كان لأخي نصيب فيها. أبي أصابته جلطة دماغية بعد شهر من سماع خبر الإعدام ومصادرة البيت والمحلات، ومات على أثرها بشهر. أنا وأمي جمعنا ما نستطيعه من أموال، وبعنا ما نستطيعه أيضا، وسافرنا إلى الأردن ومنها إلى سوريا. كنت حينها في بدايات العشرين من عمري. سكنا في السيدة زينب. تعرفنا على الكثير من العراقيين، ومن مختلف الطوائف والأديان، إلا أن علاقتنا كانت متينة مع عائلة عراقية طيبة، تتألف من ابنين وعدد من البنات. تقدم الابن الأصغر منهم، والذي كان اسمه آدم، لخطبتي، ولأن العائلة كانت قد فقدت الأب فقد قام الأخ الكبير بمفاتحة والدتي والتقدم بشكل رسمي من أجل خطبتي لأخيه آدم. لكني انتبهت ذلك اليوم لنظرات الأخ الكبير الشهوانية، فقد كان يأكلني بعينيه.خطبتنا امتدت لأكثر من سنة لأن خطيبي آدم كان يصر على سفرنا إلى الخارج وطلب اللجوء السياسي. كان يعمل الليل مع النهار ليجمع ما يستطيعه، لكن العائلات العراقية المهاجرة، مع الأسف، لم تتخل عن النفاق والنميمة ومس أعراض الآخرين من أبناء بلدهم في الغربة، فصرنا مثار حديثهم وأقاويلهم كلما دخل علينا أو سهر عندنا. ومنعا للقيل والقال، تزوجنا في سوريا، وعاش هو معنا في البيت الذي كنا نسكنه أنا وأمي. كان الأخ الكبير، يزورنا بشكل يومي، وكان يلاحقني بعينيه اللتين لا تخفيان شهوته ونواياه تجاهي. لم استطع أن أخبر زوجي، لكني أخبرت أمي التي نصحتني بعدم إخبار زوجي، لأنه ربما سيحدث شجار بينهما، وسأتهم بأني سبب خلاف الأخوة، لاسيما ونحن على وشك مغادرة سوريا إلى ألمانيا. زوجي آدم كان قد اتفق مع المهربين الذين حصلوا لنا، لا أعرف كيف، على تأشيرات سفر أوروبية. حاول زوجي، يرحمه الله، أن يقنع أمي بالسفر معنا إلى أوروبا لكنها رفضت عروضه المستمرة، لأنها لم تكن تريد مغادرة السيدة زينب. كانت تؤكد لنا بأن لا نقلق عليها، فلديها مبلغ لا بأس به يمكنها أن تعيش منه بكفاف، وأنها على أية حال في حماية الشفيعة زينب الكبرى، بطلة كربلاء، وربما ستزورنا إذا ما استقرت أوضاعنا في بلاد الغربة. حينها كنت حاملا بطفلي الأول. وكان قد مر على حملي أربعة أشهر. يوم السفر ودعنا بعضنا، أنا وأمي، بالدموع التي انسكبت من عيوننا. في المطار لم نكن وحدنا. كانت هناك عائلات وأفراد من الشباب العراقيين معنا. لا نعرف لحد الآن كيف شكّت شرطة المطار بنا. لا أريد أن أطيل عليكم في سرد التفاصيل، فقد تم إلقاء القبض على الرجل المهرب الذي قام بالحصول على تأشيرة لنا مع بعض الشباب الذين تقدموا قبلنا إلى تفتيش الجوازات. تلك الحادثة كانت ضربة قوية وجّهت لنا. وبالتحديد لزوجي آدم. أنا شعرتُ بارتياح نفسي داخلي لأني سأرجع لأحضان أمي. على أية حال، رجعنا للسكن عند أمي التي برغم فرحتها لرجوعي إلا أنها تأثرت جدا ً لأنها كانت تعرف كم كلف ذلك زوجي من المال والمخاطر، لكنها كانت تؤكد لنا بأن الخير في ما اختاره الله لنا. لم ييأس زوجي، بل ازداد إصراره على السفر وكأن الأمر تحول إلى نوع من التحدي، ولم يكن يعلم أنه كان يصر على مواجهة حتفه. صار يعمل في أكثر من مكان لتوفير المبالغ الجديدة التي تكلفها المغامرة الجديدة للسفر. المفاجئة التي كانت تنتظرنا هو أن الأخ الأكبر كان يخطط للسفر معنا أيضا. خلال الأشهر التي تلت ولدتُ ابني البكر، وهذا ما زاد من إصرار زوجي على السفر لأنه أخذ يفكر بمستقبل ابننا. كان يؤكد لي بأنه يريد مستقبلا أفضل لابننا.بعد ولادة ابني بسنتين توفيت أمي بالسكتة القلبية. استيقظت فجرا. صلت الفجر وقرأت القرآن ونامت. لكنها لم تنهض من نومها. تعرضت لسكتة قلبية أثناء النوم.على الرغم من الحزن الهائل الذي تركه موت أمي، إلا أنها بموتها قدمت لنا مساعدة كبيرة. إذ تركت لنا كل ما كان لديها من مبالغ لمعيشتها، وهذا ما مكن زوجي أن يجد مهربين آخرين يعبرون بنا إلى أوروبا عن طريق تركيا. وهكذا بدأت رحلتنا الجديدة إلى الموت الذي كان ينتظر زوجي. حينها كنت في الشهر الخامس من حملي الثاني. لا أحدثكم عن تفاصيل هذه الرحلة، والخوف الذي راودنا خلالها، المهم، وصلنا إلى أوروبا بعد مغامرات عجيبة، وعبور لحدود الدول بشكل غير شرعي مشيا. وهكذا مرت الأيام إلى أن وصلنا إلى ألمانيا.









