ثقافية

مـشـرحــــــــة بـغــــــــداد

برهان الشاوي / برلين

الحلقة الحادية والعشرون

 

خالي الأصغر ساعدنا كثيرا، منذ لحظة اتصالنا معه من ألمانيا، حيث اتصل بدوره بأصدقائه في برلين، لأنه كان يعيش في غرب ألمانيا وفي مدينة بعيدة جدا عن برلين، وهؤلاء ساعدونا في اللغة وفي ترتيب بعض أمورنا في عملية طلب اللجوء، إلى أن تم فرزنا إلى معسكرات اللاجئين التي بقينا فيها لبعض الوقت، وانتهى الأمر بنا في قرية تابعة لمدينة صغيرة تابعة لمدينة هانوفر. لا أطيل عليكم، منحتنا دائرة الأجانب شقة لا بأس بها، إلى جانب مرتب شهري للطعام، ما كنا لنحلم فيه في سوريا. هناك ولدت ابنتي، وكان زوجي مليئا بالأحلام ويخطط لمشاريع كبيرة. كنا فرحين بما وصلنا إليه، برغم العزلة الكبيرة، حيث كنا نعيش وكما قلت في قرية تابعة لمدينة صغيرة، وكان علينا أن نمشي مسافة طويلة للوصول إلى المدينة مارين بمقبرة المدينة التي تنتصف الطريق بين القرية والمدينة. حينها زارنا خالي في تلك القرية وبقيّ عندنا أياما عدة. شرح لنا تفاصيل كثيرة عن أوضاع اللاجئين وحالهم في ألمانيا.لكن فرحتنا لم تدم. إذ اتصل بنا الأخ الأكبر لزوجي من برلين. لقد ترك سوريا والتحق بنا إلى ألمانيا بعد أن عرف عن استقرارنا فيها من خلال اتصال زوجي معه. طلب اللجوء في برلين، وهناك أعطى عنواننا باعتباره من العائلة، فتم نقله إلى القرية نفسها. دائرة الأجانب أسكنته في بيت للعزاب، لكنه كان يقضي معظم وقته عندنا. منذ وصول أخي زوجي إلى القرية تحولت حياتي إلى جحيم، بينما امتلأت حياة زوجي بالفرح لوصول أخيه. كان زوجي يكن احتراماً خاصا  لأخيه الأكبر، لكن الأخ الأكبر لم يقف عند حرمة الدين ولا الروابط العائلية، إذ أخذ يتحرش بيّ بشكل صريح ويكاشفني بحبه لي، وأنه ترك سوريا من أجلي فقط، لكي يكون قريبا مني، وطبعا لم يكن بإمكاني مكاشفة زوجي خوفا من المشاكل التي ستنجم عن ذلك.  كان يلاحقني في البيت، وأحيانا كان يختلق الأعذار ليبقى في البيت بينما يذهب زوجي إلى المدينة لشراء ما نحتاجه، وخلال ذلك كان يكاشفني بحبه. كنت أذكره بالأخلاق والدين والمحارم إلا أن كل تلك الحجج لم تلقَ أي اعتبار لديه، بل وصل الأمر إلى طلب معاشرته أيضا. أن يتقاسمني مع أخيه. وبرغم ذلك كان هذا الأخ الأكبر يقيم الصلاة في أوقاتها جهد الإمكان.ثم بدأ يفتعل الشجار مع زوجي، ويتصدى له لأسباب تافهة، ولأبسط رأي يقوله زوجي فيبدأ بالانتقاص منه ويصفه بأنه متخلف ولا يفهم شيئا، بل في إحدى المرات قال له بأن وجود امرأة مثلي كثير عليه فهو لا يستحقني، وانه أخطأ حينما طلبني له. بعد حوالي ثلاثة أشهر من وصولنا إلى ألمانيا ولدت ابنتي. الغريب أن زوجي انزعج من ولادة ابنتي بينما الأخ الأكبر فرح بولادتها كثيرا وكأنها ابنته، وكان ينتقد أخي على موقفه من ولادة ابنتي. كنت في حيرة من تصرفات الأخ الأكبر، فهو يصلي في الأوقات لكنه لا يرى في زنا المحارم إثما. لاحظت تغيرات طرأت على سلوكه، لاسيما بعد ولادة ابنتي، إذ صار هادئا ومرحا، ثم أخذ يتهاون في صلاته، وشيئا فشيئا تركها، إلى أن فاجأنا ذات يوم بدخوله حاملا كيسا فيه عدد من قناني البيرة. الغريب أن زوجي كان متدينا بشكل عام، ليس ملتزما مثل أخيه الأكبر بالصلاة، لكنه يؤمن بالدين. لا يصلي بانتظام، لكنه يصوم رمضان ويلتزم بشكل كامل خلاله. لكن لا أدري ما الذي أصابه منذ وصولنا إلى ألمانيا، فقد أخذ يتحول بشكل سريع. صار ينتقد كل ما كنا عليه خلال حياتنا في بلادنا، عاداتنا وتقاليدنا، إيماننا وعقائدنا، بل وصل الأمر إلى التشكيك بوجود الله. الغريب في كل هذا، أنه عندما زارنا خالي الأصغر للمرة الثانية، وهو شيوعي، تناقشا بشكل عميق وحامي، فقد كان خالي قد ابتعد عن الماديين الملحدين وصار يحدثه عن آفاق الفيزياء والكيمياء بينما كان زوجي يصيح بشكل عصبي، إذا كان الله موجودا فلماذا كل هذا الظلم في الأرض؟ ولماذا يولد الأطفال مشوهين؟ ولماذا يهز الأرض بالزلازل ليموت الأبرياء من أطفال وشيوخ وفقراء؟ وكان خالي يجيبه بأن هذه الأمور لها علاقة بطبيعة المجتمعات وطبقاتها، والاستغلال الطبقي، واستغلال الدول الصناعية للدول الفقيرة، وحدثه عن البنك الدولي وصراع الحضارات ،وعن الوعي الصحي للرجال والنساء وطبيعة العلاقات العائلية وزواج الأقارب وأشياء لا اذكرها الآن.في هذه المعمعة من النقاشات كان الأخ الأكبر يقف أحيانا مع خالي ضد زوجي، لكن حينما كان لا يعجبه رأي خالي فأنه يصمت ولا يختلق أي صدام معه. أحسست بشيء من النفور من موقف زوجي. ربما لأنه أخذ لا يؤمن بالله، أو لأنه وقف بوجه خالي الذي أحبه كثيرا، وأعتقد أن زوجي أحس بموقفي منه من خلال برود علاقتنا. هل كنت أنا غبية؟ هل أنا أعطيت انطباعا للأخ الأكبر بأني بدأت أميل إليه؟ كيف؟ ماذا بدر مني كي يفهم ذلك؟ هل لاحظ برود علاقتي مع زوجي؟ لا أدري، لأنه ذات يوم دخل عليّ في المطبخ وقال لي بثقة كبيرة: اسمعي، أنا أعرف إنك تحبينني مثلما أحبك، لكنك لا تريدين الاعتراف بذلك؟ ثم هجم علي ليقبلني، فدفعته وأخذت سكين المطبخ الكبيرة مهددة إياه بطعنه إذا ما أقترب. أحسست أنه خاف وفوجئ من ردة فعلي، فخرج مصفر الوجه، وهو يهددني، ستكونين لي رغم أنفك.. ستكونين لي. حين عاد زوجي من المدينة، وكان قد ذهب إليها مع ابني، وجدني عصبية المزاج، وحين سألني انفجرت بعصبية عليه وأخذت أندب حظي العاثر مستذكرة المصائب التي مرت بنا وفقداني لأهلي. وعند المساء كدت أنفجر من الغضب، لأن هذا الشخص نفسه، الأخ الأكبر، جاء وكأن شيئا لم يحدث. بل كان مرحا؟. بعد ما جرى في المطبخ ذلك اليوم، صرت أتجنب البقاء في البيت وحدي. فصرتُ كلما يقرر زوجي النزول إلى المدينة أطلب النزول معه. أثاره هذا الأمر في البداية لكنه تعود عليه في ما بعد. المشكلة أني كنت أجبره على النزول إلى المدينة بالباص، بالرغم من أن ذلك يكلفنا الكثير من المال قياسا لميزانيتنا، لأني كنت أرفض المرور وسط المقبرة، لأني أكره المقابر منذ الطفولة. كان زوجي يتغزل بمقابر المسيحيين، وكان دائما يقول لي انظري إلى هذه المقابر وكأنها حدائق وجنان يتمنى المرء لو يموت لينام فيها، ولم يكن يعلم أنه فعلا سيرقد فيها.بعد أيام دخلت المطبخ فرأيت صدفة خشبة، كان يبدو أن ضلع سرير قد تم تحطيمه لأن أحد أطرفه كان مليئا بالمسامير البارزة. 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان