ثقافية

الرومانسية الثورية المتمردة على كل ما هو مادي

علاء أحمد السامرائي

في دأبه المتواصل لإغناء مكتبة القارئ العربي بكل ما يجعله على اطلاع بمجمل الحركات والأعمال الأدبية التي أثرت في مسيرة العالم والحركة الأدبية يقدم لنا الكاتب والمترجم كامل عويد العامري وضمن سلسلة أوراق المأمون الصادرة عن دار المأمون للترجمة والنشر عملاً إبداعياً حمل عنوان “الرومانسية الثورية”.  يلقي الضوء على هذه الحركة التي ظهرت في الأدب الأوربي والأميركي في النصف الأول من القرن التاسع عشر. ولم تأت هذه الحركة إلا ثمرة التمرد الدؤوب على التقاليد المهيمنة في الكلاسيكية المحدثة. ويمضي هذا التمرد إلى أبعد من هذا ويواصل نشاطه في مراحله الأولى على الأقل، بوصفه حملة راسخة ضد العناصر الفردية للتقاليد الكلاسيكية المحدثة. 

لقد أتت الرومانسية إلى حدٍ ما بوصفها رد فعل لحركة التنوير والمذهب العقلي في القرن الثامن عشر والمذهب المادي بوجه عام. كما أكدت على الفرد والذاتية الشخصية وما هو غير منطقي وعلى الخيال والنفس والعفوية والعاطفة والأحلام وعلى كل ما يسمو فوق الوجود المادي.  وبداية ظهرت الحركة الرومانسية بمعناها الضيق في ألمانيا عند نهاية القرن، من خلال مجموعة كبيرة من المؤلفين الموهوبين. ومع إنه كان للحركة إنجازات رفيعة المستوى في معظم فروع الأدب، نجد أعظم منزلة للحركة في الشعر الغنائي وفي الأدب غير الواقعي. وهذا النوع الأخير مدين للرواية القوطية الدارجة لكنه أعمق في خياله وفي حبه للدعابة. وكما يتوقع المرء فإن البلد الذي أتى بالكلاسيكية المحدثة قد واجه مشقة كبيرة في التخلص منها. هذا الانحطاط الذي ينطوي على اختفاء العقائد والسحر والشعر والأسطورة، يعني قيام عالم مبتذل، نفعي، تجاري… 

وقد نشأت أمور عدة ذات صلة بالرومانسية وظهورها من بينها الميل نحو تقدير جديد للقصة الرومانسية التي اشتقت منها الحركة أسمها وكانت عبارة عن حكاية عن حياة الناس أو قصيدة عن مغامرة تؤكد على البطولة الفردية وعلى ما هو غريب وغامض وتتعارض مع الشكل الأنيق. بينما تميزت الرومانسية الموسيقية بالتأكيد على الأصالة والفردية والتعبير العاطفي الشخصي والحرية في اختيار الأسلوب الفني وتجربته.  ونتيجة الشغف الرومانسي بما هو عاطفي نتج عن ذلك نشر المؤلفات التي بحثت عن كل ما هو خارق للطبيعة وعن ما هو سحري ورهيب مثل فرانكشتاين والمركيز دوساد. بينما وصف ووردزورث الشعر في القصائد الغنائية بأنه فيض ذاتي عفوي من المشاعر القوية “وقد أصبح هذا الوصف بياناً رسمياً للحركة الرومانسية في الشعر. وكانت مدام ستايل من بين أول من مهد الطريق للرومانسية بفضل كتاباتها التاريخية والنظرية التي كان لها التأثير الكبير.  يرد استعمال كلمة كلاسيكي ورومانسي لأول مرة في فصل بعنوان “الشعر الكلاسيكي والرومانسي” للتفريق بين نوعين من الأدب مختلفين اختلافاً أساسياً، لم ينظر إلى الكتابين بوصفهما كتابين فرنسيين فيما يتعلق برغبتهما في التغيير وإطرائهما للثقافة الأجنبية المعادية. أما في فرنسا فإن الانتصار الرومانسي يؤرخ بدءاً من عام 1810 في مجال الشعر وذلك من خلال كتاب “تأملات شعرية” للشاعر “لامارتين” ومن خلال مسرحة “هيرناني” للكاتب فكتور هيغو.  وقد تركزت الحركة الرومانسية في فرنسا وألمانيا وإنكلترا، ولكنها انتشرت أيضاً في أوربا والعالم الغربي، لذلك نجد حركات رومانسية بارزة في بلاد مثل إيطاليا وبولندا وروسيا.  ومن خلال الحركة الرومانسية، ولأول مرة بدأت الأميركيتان، ولاسيما الولايات المتحدة، تأتي بأدب على وفق الروح الأوربية لذلك العصر، ولكنه يتحلى بالقوة والأصالة الكافيتين على نحوٍ يلفت الانتباه. وقد أوضح بريتون قائلاً: أن المفهوم المدرسي الذي يدعونا إلى تصوره عن الرومانسية هو مفهوم زائف فاستخدام التقسيمات القومية والمجارير العبثية التي تؤدي إلى فصل الأجناس الأدبية تمنع الحركة الرومانسية من أن تجعل من نفسها فكرة متكاملة. وتأتي السريالية ضمن هذا الاطار من الاستمرارية الزمنية الطويلة للرومانسية بوصفها حالة روحية، إذ كان السرياليون بوصفهم ثوريون يشكلون الخصوم الأكثر عناداً وتصميماً ضد القيم التي كانت تهيمن على مركز الثقافة الرومانسية. وإذا كانت السريالية كل هذا الرفض للماضي وقيمه وقيوده فإن كانت الماركسية الرومانسية هي الفكر الذي يرفض عقلانية الحضارة الصناعية. العقلانية المتجمدة ولكنه يعترف بحنينه إلى الماضي بوصفه واحداً من العناصر الأساسية في معركة التغيير الثوري للحاضر.  لقد فضل السرياليون التحرك في منطقة (الفوواقعي) وهي منطقة يلغى فيها التعارض بين الحقيقة والحلم، فمنوا الحرية لخيالهم. ومع ذلك لم يهتموا بأساليب الحضارة البدائية وحسب، بل بالنوعية الروحية لأعمالهم الفنية قبل كل شيء. أن مقولة “نحن نتمسك بحرية الإنسان حالة ملازمة لحرية الفكر” أثارت اهتمام الشباب والطلبة الهايتيين. بالتأكيد أن طموح السرياليين الثوري هو مثل طموح بعض الرومانيين، فقد كان ذا نبرة عالية واكثر اتساعاً من كونه محاولة لتغيير البنى السياسية والاجتماعية ولكنه، يخلو من إشارة تمرد وعمل لكسر السلاسل والقيود بوصفه لحظة الأمل في الانعتاق والتحرر.  كم بدت تلك الفكرة القديمة التي جعلت الإنسان مهما كانت محدودية نظامه الوطني والسياسي والديني هدف الإنتاج، أمام العالم المعاصر الذي يعد الإنتاج فيه هدف الإنسان والإثراء هدف الإنتاج. أراد ماركس في البدء أن يتجنب مثالية العالم القديم البسيطة وهو يدرس الكومونة. وقد جعله هذا الخلل يسقط في الخطأ الذي نسب، من بين أخطاء أخرى إلى “الأشتراكية الإقطاعية”، وهكذا فإن أساليب الملكية قد ضمنت عالماً مألوفاً وهذاً بالسلوكيات الأخلاقية والأحاسيس. وكان هذا العالم هشاً إلى الحد أن العمل المباشر قد اختفى واتسعت الروابط التجارية من خلال النمو الاقتصادي. دخل هذا العرض من دون صعوبة باتساق وتناغم مع النسق الرومانسي للحساسية الماركسية. أن قراءة متأنية لكتاب الرومانسية الثورية يجعلنا نكتشف أن كل دراسة للأبعاد الرومانسية الممكنة التي يتضمنها الفكر الماركسي تصطدم بصعوبة مزدوجة يكمن أولها في مفهوم الرومانسية نفسه. فبالقدر الذي تعني بوصفها حركة متغيرة فمن الصعوبة أن نجد تماسكاً يتيح تنظيم هذا العرض أو ذاك تحت عنوان من دون اعتراض مسبق، والمفهوم الثاني يتعلق بالموضوعات التي نسميها رومانسية وهذا الموقف يتسم بالازدواجية. 

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان