عبدا لسادة البصري
حين تتوقف عيناك على كلمات تشعر أنها تتغلغل في جميع حواسك وتمنحك دفقا من التأملات التي تسمو بك فوق مستوى الخيال لا تني إلا أن تتمثل قول الشاعر الفرنسي شارل بودلير حينما كتب (يقف الشاعر على سقف العالم).
هذا ما دار بخلدي وأنا اقرأ قصائد الشاعر الكردي طيب جبار عبر مجموعتيه (ذات زمان… الظلام كان ابيض) و (قصائد تلتفت إلى الأمام)، اللتين صدرتا عن دار الغاوون عامي(2010 ــ 2012 )، ترجمة الشاعر عبد الله طاهر البر زنجي،لأنها جعلتني أقف مبهورا عند لعبة المفارقة الشعرية من خلال الانزياحات اللغوية التي تعمد صنعها ليخلق مناخا جديدا للقصيدة اليومية، انه يؤشر الخطأ ويعطيك حله بمفارقة تكاد تلمس شغاف قلبك ،في الأولى تحدث عن ماض تخيله او رسمه في مخيلته أو بالأحرى كان طافيا على سطح تلك المخيلة ولكنه ماض غير الذي اكتنزناه ، فالظلام لبس بياضا والمعروف عن الظلام سواده،ففي قصيدة ((يوم أموت)) التي اشر فيها الشاعر حياة أخرى غير التي يعيشها ألان:
( يوم أموت،
كرة الشمس..
تتدحرج نحو سطح الأرض،
القمر..ينكمش
النجوم..تهبط إلى الأرض
تحاصر المدينة من الجهات الأربع)
كما منحها ميتافيزيقيا غير المتعارف عليها، فالشمس بدل أن تسقط جعلها تتدحرج، والقمر بدل أن يتلاشى أو يغيب جعله ينكمش … والى أخره من الانزياحات اللغوية عبر مفارقة مسكونة بالقلق حتى آخر القصيدة ليؤكد غير ذلك حتما:
( يوم أموت،
عدا بناتي
لا تبكي علي…. في هذه المدينة
أي فتاة)
ختم القصيدة بمفارقة صحيحة جدا غير المفارقات التي تخيلها أبدا وهي الحقيقة التي نبحث عنها…
وفي القصيدة التي وسم المجموعة بها (ذات زمان… الظلام كان ابيض) لعب على المفارقة ابيضا ولكن بشكل مختلف :
( ذات زمان..الدنيا كانت جميلة
الأرض..كانت عش الورد
أصيص اللآليء
سلة الفراشات
شرنقة للصمت)
بالإضافة إلى المفارقة الشعرية والانزياحات اللغوية التي ترسم شكلا آخر للقصيدة هناك اللازمة المكررة التي تجدها عند طيب جبار في جميع قصائده (( يوم أموت..، ذات زمان..، سيحل يوم..، في مدينة.. ، الخ)) هنا يختلف جبار بطريقة تكرار اللازمة عن بقية الشعراء من معاصريه،حيث يجعل منها مفتاحا لصور شعرية أخرى أو مدخلا لمقطع جديد:
( في مدينة المذاق الطيب
اليأس..كالدود
يزحف بهدوء
نحو خيمة قلبي)
(( في مدينة النعيم
الفقر..كالريح
دون خوف أو وجل
يتجول من حي إلى حي))
((( في مدينة الشهامة
قلعة المجد…..)))
هذا في قصيدة واحدة ( السليمانية) ومثلها الكثير في قصائد أخرى أيضا.. انه يبكي ويضحك ويركض ويمشي ويصفق ويلعن ويحارب ويرسم ويتحدث عن الماضي والحاضر متأملا المستقبل في آن واحد… ولكونه مهندسا بالمهنة طبعا فهذا انعكس على جل قصائده وكما يقول الناقد(فاروق مصطفى)في كتابه(في الطريق إلى الشاعر المهندس طيب جبارـ ص39 ):::ــ
( إذا كان الشاعر يهندس هذه المشاريع فهو يفردس عبرها عوالمه التي يأوي إليها).
نجد انه يصنع فردوسه المحتمل عبر متوالية هندسية مبنية من كلمات متباينة ومتغايرة دائما. ففي مجموعته الأخرى ( قصائد تلتفت إلى الأمام )تبدأ المفارقة من العنوان ــ ثريا النص ــ فالالتفات دائما يكون إلى الخلف إلا انه جعله أماميا وبطريقة أعطت فحواها من خلال تقسيم قصائده الى قصائد فرعية أو محطات سينزل عندها وقتما يشاء،، انه يبني مدينة من الكلمات عبر عمارات لغوية يصوغها ببراعة ومع ذلك لاينفك يكرر لازمته في كل قصيدة فمثلا في قصيدة (يوميات راعي الهموم):::
(( السبت:
لا احد أوضح لي
الأحد:
لا احد يحدد لي
الاثنين:
هو يشد نفسه بالقرقعة
الثلاثاء:
الشبابة التي صنعتها
لم تجعل من صوت الريح نشيدا
الأربعاء:
لا اعرف ماذا افعل؟!
الخميس:
لا احد لجم الدرب
لا احد نصح النهر
لا احد فكك عقد النهم
لا احد………..
الجمعة:
لا احد يؤوي هذيانا لي ))
وعبر هذه المتوالية الهندسية نجده يصرخ في وجه العالم:
((نحن خبراء..
في جمع وريقات الظلام
لا نعرف إذكاء مواقد الفرح
نتقن أصول التفرقة
ولا نعرف شرب ماء الوحدة !!))
هنا أجدني أتمثل قول الناقد حاتم الصكر حينما تحدث عن شعر طيب جبار بقوله:
(يرى الشعراء ما لا يراه الآخرون ويعيشون بعشرات الحواس فتبدو الأشياء بعين مخيلتهم لاكما هي عليه خارج قصائدهم).
نعم طيب جبار بقصائده هذه عاش بأكثر من عشر حواس، لا بل مائة لأنه جعلنا نهيم معه في السفوح والوديان وعلى قمم الجبال بمأساتنا وأفراحنا وآمالنا وأمانينا ونصائحنا للآخرين وما الذي نريده من الشعر غير ذلك؟!!
انه بهذه المفارقات الشعرية وعبر هكذا انزياحات لغوية أحسن اختيارها وفق منظومة هندسية متوالية ومدروسة أعطانا شعرا يقلب موازين الحواس إلى جهات متداخلة فيما بينها..
وعليه فالشاعر طيب جبار اختلف بمنواله عن غزل الآخرين وبصوته تفرد عن تغريد العصافير الاخرى ليرسم عوالمه الخاصة والتي عممها علينا كي نعيش بعين مخيلته التي استطاع أن يفتحها على شاشة الشعر بشكل أوسع!.









