برهان الشاوي / برلين
الحلقة الثانية والعشرون
لم أولي الأمر أهمية، قلت مع نفسي ربما كان زوجي قد وضعه هنا ليستخدمه حطبا للموقد، فالجو بارد هنا في معظم فصول السنة، لاسيما الشتاء. لم يمر في ذهني بتاتا ًبأن الأخ الأكبر كان قد خطط لقتل أخيه.
لا أدري كيف جرت الأمور. ذات مساء كنا في البيت نعد العشاء. كان زوجي يلعب مع ابننا في الصالة وابنتنا نائمة في غرفة نومنا. سأل زوجي عن سبب تأخر أخيه عن المجيء ذلك اليوم، فليس من عادته أن يتأخر عن العشاء، وأثناء حديثنا دخل الأخ الأكبر، وبدا أثر الشرب واضحا على ملامحه. كان غاضبا وعصبيا أيضا.
أنا قمت إلى المطبخ، فسمعت زوجي يعاتبه على شربه ومجيئه إلى البيت وهو ثمل، وسمعت جواب الأخ الأكبر على عتاب زوجي. كانت ضربة قوية على وجهه، وسبّا ً وشتما ً وتهديدا ً. رأيت من بعيد تقريبا كيف نهض زوجي ليدافع عن نفسه أمام هذا الهجوم الجسدي العنيف من قبل أخيه.
جرت الأمور بسرعة خاطفة. دخل الأخ الأكبر المطبخ مسرعا، أخذ الخشبة المدببة بالمسامير وهجم على زوجي. ضربه على رأسه وكتفه ضربات عدة. سقط زوجي مضرجا بدمائه. ابني أصابته ما يشبه اللوثة حينما شاهد أباه على الأرض والدم ينزف منه. لم يكتف الأخ الأكبر بقتل أخيه وإنما هجم علي فضربني على رأسي لكني ملت قليلا فجاءت الضربة أخف، ثم سحب سكينا ليطعنني، فهربت إلى غرفة النوم حاملة ابني وأغلقتُ الباب. صرت أصرخ عاليا. فجاء الجيران، وهم عائلة ألمانية كانت تسكن في الطابق الأرضي. واتصلوا بالشرطة التي وصلت بعد دقائق قليلة فألقت القبض على الأخ الأكبر الذي ظل جالسا في البيت.
تأخرت سيارة الإسعاف كثيرا. نزف زوجي كثيرا. تم نقلنا إلى المستشفى جميعا. زوجي نقل إلى غرفة العناية المركزة. كان هناك شخص عراقي كردي يسكن مع أطفاله في المدينة، وصادف وجوده في المستشفى لحظة وصولنا فأخذته الحمية الشرقية، فقام بمتابعة وضعنا، وقام ابنه بعملية الترجمة ومساعدتي في شرح الموقف.
طلبت من هذا الشخص الاتصال بخالي الذي جاء فورا مع صديق له. كان زوجي في غيبوبة، لكنه لم يفق منها. مات زوجي. ووصل خالي مع صديقه. أنا أخذت علاجي. وبقي الطفلان عند عائلة الرجل العراقي الكردي. الأخ الأكبر فقد اعتقلته الشرطة. أتوا له بمترجم رسمي كي يدون أقواله، ونقل إلى سجن الولاية التي نتبع إليها إداريا.
بقي خالي عندنا لأسبوعين تقريبا. كان مستغربا من هذا المصير العجيب لزوجي. فقد خاض الحرب على الجبهات الأمامية مع إيران، وخرج سالما. ثم هاجر وتنقل بين البلدان ليصل إلى هنا، ويموت بهذه الطريقة البشعة على يد أخيه الأكبر؟؟
(كانت الجثث تستمع إليها بفضول وتنظر برغم ذلك نظرات الموتى الجامدة، بينما كان الحارس تحت النافذة يفكر بقصة قابيل وهابيل، ودور المرأة في أول جريمة عرفتها البشرية. )
في التحقيق أنكر الأخ الأكبر أنه قتل أخاه، بل قيل لي إنه كان ينتحب عند التحقيق معه، وكان يضرب رأسه بالحائط، بل لقد ادعى بأنه لم يكن في كامل وعيه، وأخذ يتصرف كمجنون، وطلب من المحققين أن يرى الأطفال ويقابلني؟ومرت الأيام والأسابيع. حضرت أكثر من جلسة تحقيق. وأخيرا تم الحكم عليه بالسجن لمدة خمس عشرة سنة. حينها شعرت بالراحة النفسية. لكن بدأت معي قصة أخرى.
الرجل العراقي الكردي الذي ساعدني في المستشفى، أخذ يتردد علينا ويقدم خدماته البريئة، وتوثقت علاقتنا معه، لاسيما وأنه عمق علاقته مع خالي، بعد أن جمعتهما السياسة.
هذا الرجل أخذ يتقرب مني بشكل مريب، ويبدي إشارة المودة والحب. لم أكن في الوضع النفسي الذي يتيح لي أن أستجيب لمثل هذه الأمور. يئس الرجل مني، لاسيما وأن خالي قدم طلباً إلى دائرة الأجانب في مدينته من أجل قبولي هناك، فانتقلت إلى المدينة التي يعيش فيها خالي.
في المدينة الجديدة بدأت مرحلة جديدة أيضا من حياتي. ولنشاط خالي السياسي كان كثيرا ما يحضر الندوات السياسية والاحتفالات التي تقام بالمناسبات، وكان يأخذني من أطفالي معه. تعرفت على العديد من العائلات العراقية، ومن بينها تعرفت على امرأة عراقية، كانت تبحث عن زوجة لخالها الوحيد الذي كان قد طلق زوجته الألمانية ويريد امرأة عراقية. وبعد زيارات مقصودة، تقدمت مع زوجها إلى خالي طالبين يدي. خالي على طريقته المتحررة، سألني عن رأيي موضحا لي أنه يعرف الرجل وأنه إنسان طيب ومن عائلة طيبة، ناهيك إلى أني ما زلت في عز شبابي وأمامي سنوات طويلة في الغربة وتربية الأطفال، وطلب مني أن أقابل الخطيب شخصيا وأتحدث معه وأقرر. وفعلا قابلته وتحدثنا قليلا، وأعجبني.
لماذا تبتسمون؟ من خلال نظراتكم الجامدة أشعر أنكم تستغربون صراحتي. الموتى لا يكذبون. أنتم تعرفون ذلك. لقد عبرنا من تلك الضفة حيث الكذب والنفاق والحقد والأقنعة من صفات البشر. نحن لسنا بشرا، نحن مجرد جثث، مجرد أموات، أليس كذلك؟
( قاطعتها الجثة التي كانت جالسة على السرير النقال قائلة:
• يبدو أن قصتك لن تنتهي. كل واحدة منا تريد أن تقص حكايتها مع الحياة، والليل ليس طويلا لكل حكاياته، فاختصري رجاءً. صباحا ً لن يكون في مقدورنا أن نجتمع هكذا. لا نعرف أين سنكون في الليلة القادمة.
فوجئت جثة حواء هانوفر بهذه المقاطعة الحادة، صمتت للحظة ثم قالت :









