ثقافية

مـشــــــــرحـــة بـغــــــــــــداد

برهان الشاوي / برلين

الحلقة الرابعة والعشرون

 

كان آدم مختنق الأنفاس عن الباب من الداخل. حدّق من البؤبؤ الزجاجي الموجود بمستوى النظر على الباب، وجد وجوه الجثث ملتفتة إلى جهة قاعة الثلاجات وكأنها انتبهت إلى أن الصوت يأتي من هناك، فتوجهت نحو جهة الصوت، وهكذا اختفت وجوه الجثث من أمام نظر الحارس آدم.   فجأة سمع وقع خطوات تأتي من جهة الدرج النازل من الطابق الأرضي، وضجة تبدو لأكثر من شخص. بدأ وقع الخطوات في الممر يتعالى. اقتربت الخطوات من غرفته ووقفت عنده، ثم سمع طرقا على الباب وصوت مساعد الطبيب الخفر وهو يناديه: آدم .. آدم .. استيقظ حدق من البؤبؤ الزجاجي فلمح وجه مساعد الطبيب مشوها وبعيدا، لكنه تأكد من أن الموجودين ليسوا بجثث وإنما هم أحياء، ففتح الباب.   كان طبيب الخفر ومساعده وثلاثة من الرجال المسلحين الذين يبدو من ملابسهم بأنهم من رجال الحرس الوطني يقفون أمام باب الغرفة. ارتبك الحارس آدم، أحس أن شيئا ما ليس على ما يرام. ما أن فتح الباب حتى سأله الطبيب الخفر: آدم.. هل رأيت أو سمعت شيئا غير اعتيادي هنا في الممر؟ ارتبك الحارس آدم أكثر وخاف أن يروي ما رآه وما سمعه، فأجاب: لا.. هل حصل شيء ما؟ فقال الطبيب وهو يتجه في عمق الممر:الأخوان من الحرس الوطني يقولون إنهم رأوا جثثا تمشي على الجسر، ويعتقدون أنها هربت من المشرحة لأنها كانت تبدو ممزقة، هل رأيت أو سمعت شيئا غير طبيعي؟ تعال معنا.. ارتعب الحارس آدم من قول الطبيب. كان الآخرون يحدقون في وجهه، وكأنهم ينتظرون نطق الحكم في محكمة. انتبه إلى أن رجال الحرس الوطني، بل حتى الطبيب الخفر ومساعده، يتميزون بأثر للخياطة عند عنقهم التي لم تستطع القمصان أن تغطيها:

• أبدا.. لم ألاحظ أو أسمع شيئا.. الجثث التي وصلت اليوم موجودة في قاعة التشريح .

ثم تبع الطبيب، بل وحاول تجاوزه للوصول إلى قاعة التشريح، فتبعه الجميع. وحينما وصلوا إلى قاعة التشريح توقفوا. أحد رجال الحرس الوطني قاطعهم قائلا:

• يا جماعة.. أنا أنتظر هنا، فأنا بصراحة لا أحب رؤية الجثث الجديدة في قاعة التشريح  كان الحارس آدم مرتبكا وهو يتبعهم داخلا قاعة التشريح حيث كانت الجثث ممدة على الأسرة النقالة، تفوح منها رائحة الموت الباردة والمرعبة.  وقف الطبيب ومساعده ورجلا الحرس الوطني وخلفهم الحارس آدم للحظات عن مدخل القاعة، تأملوا القاعة بنظرة سريعة، ثم خرجوا منها متجهين بسرعة نحو الطابق الأرضي وكأنهم يستعجلون مغادرة هذا الطابق المخيف، ناظرين إلى الحارس آدم نظرات مريبة وكأنهم يحاولون معرفة سر هذا الرجل الذي يعيش مع الجثث في الطابق نفسه.   صعد الطبيب الخفر ومساعده والرجال المسلحون السلمّ إلى الطابق الأرضي. بقيّ الحارس آدم عند أسفل السلمّ . نظر إلى الممر نظرة متفحصة، ثم أسرع الخطى إلى غرفته، فدخلها ثم أغلق الباب خلفه. بقى الحارس آدم واقفا عند الباب. فكر بما حدث وسأل نفسه عن معنى رؤية جثث تمشي على الجسر؟ الجثث التي نقلت للمشرحة اليوم ما زالت موجودة في قاعة التشريح، وهي لنساء. لكنهم لم يحددوا جنس الجثث؟ لم يوضحوا إن كانت الجثث لرجال أو نساء؟ فجأة برقت في ذهنه فكرة: ربما الجثث التي شاهدها رجال الحرس الوطني لا تعود لضحايا الانفجار هذا اليوم، وإنما هي من الجثث المجهولة المتروكة في الثلاجات وهي بالعشرات؟شعر بالرعب من هذه الفكرة، كيف خرجت تلك الجثث من الثلاجات؟ وإلى أين تريد الذهاب؟ ومن أين خرجت؟ .خطا بضع خطوات داخل الغرفة ثم جلس على الصوفة الجلدية. وضع رأسه بين يديه وهو يحدق في أرضية الغرفة، متأملا، كل ما جرى له اليوم. ما معنى كل هذا؟ فكر مع نفسه، لقد عاش الكثير من الصراعات الروحية والفكرية سابقا، وتداخلت عنده حدود المعقول واللامعقول، والخيال والواقع، لكنه لا يعرف الآن بالضبط ما يجري، هل ما يراه ويسمعه هو واقع أم رؤى روحية ونفسية هي نتاج عقله المتوتر وصراعاته الداخلية؟ كيف للجثث أن تتحدث بشكل طبيعي وكأن أصحابها أحياء يرزقون؟ربما ما سمعه من حواء هانوفر هو من شطحاته النفسية خلال بحثه المحموم عن معنى الحياة، وسعيه لإيجاد سيرة ذاتية لأصحاب الجثث، وبالتالي فأن تفكيره هيئ له هذا التصور وهذه السيرة؟ لو كان الأمر كذلك، فما معنى نزول الطبيب الخفر والمساعد مع رجال الحرس الوطني للتأكد من وجود الجثث؟ ولمن، يا تُرى، تلك الجثث التي لمحها رجال الحرس وهي تعبر الجسر؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لم يوقف رجال الحرس الوطني تلك الجثث الهاربة من المشرحة؟ بل هل كان هناك، يا تُرى، طبيب ومساعد ورجال حرس وطني أساسا؟ أحقا طرقَ البابَ أحدٌ؟ وخرج هو إليهم، وذهب معهم إلى قاعة التشريح أيضا؟

ظل الحارس آدم يسبح عابرا أمواج أفكاره المتلاطمة بصعوبة؟ لم يجد ثمة ساحلا ً قريبا ً. الأفق مفتوح. لكن كيف له أن يتأكد من حقيقة ما جرى؟ قرر أن يذهب إلى قاعة التشريح ثانية؟ ويذهب أيضا إلى قاعة الثلاجات ليتأكد من الضجة التي سمعها قبل ذلك. لا يعرف من أين جاءته الجرأة على اتخاذ مثل هذا القرار. نهض متجها إلى الباب. توقف متلفتا في الغرفة، ثم فتح الباب بهدوء. توقف قبل أن يخرج مستمعا لما يجري في الممر. لم يسمع شيئا. خرج بهدوء. واتجه متسللا نحو قاعة التشريح. سمع إحداهن تتحدث. شلت حركته. توقف عن المشي. جلس ثانية على الأرض، ثم بدأ كالمرة السابقة زاحفا على الأرض متجها نحو قاعة التشريح.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان