مازن لطيف
صدر عن دار الساقي (بيروت2012) كتاب (يوتوبيا المدينة المثقفة) للناقدة خالدة سعيد، تناولت فيه، خمس مؤسسات ثقافية لبنانية وهي: الندوة اللبنانية – اللقاء الفيروزي الرحباني – مجلة”شعر”- مجلة “مواقف”- دار الفن والادب). مثلت هذه المؤسسات بتعبير الباحثة، طموحاً انطلق وسار قدماً خارج مؤسسات الدولة، وخارج أطر الكتل التقليدية الخاصة. كان هناك أصحاب رؤى ورسالات عملوا في الهامش الثقافي، وبنوا نهضة، قبل ان يتحول النظام الطائفي إلى مشروع دائم للحرب.
الندوة اللبنانية: بيت الفكر ومرصد التحولات
تناولت سعيد في الفصل الأول، الندوة اللبنانية، التي اسسها ميشال اسمر العام 1946 حيث كانت مبادرة فردية واصبحت مؤسسة اهلية مدنية، ومؤسسة معرفية قانونية وإنارة حقوقية، ومختبر افكار ومرصد تحولات، برز من هذه الندوة رواد فكر وفن ومصلحون واداريون كبار واصحاب مشروعات ورجال قانون، عملت الندوة على اقامة الحوار بين اهل المعرفة والرأي، ونشطت عبر ذلك لمواجهة مهالك دولة الطوائف. كانت محاضرات الندوة اكثر تجذرا في الواقع التاريخي من المنحى الذي يمثله رعيل شعراء الثلاثينيات والاربعينيات، ولعل هذا يفسر تراجع المساحة التي احتلتها”الندوة” مع نهاية الخمسينيات، وكانت المحاضرات حول الفنون قد توقفت قبل ذلك، وكانت معظم المحاضرات الادبية مرتبطة بمرور شخصية لها وزنها الثقافي او لمناسبة الاحتفال بشاعرة (ناديا تويني واندريه شديد) أو بإحياء ذكرى شاعر راحل (صلاح لبكي، بدر شاكر السياب).
القرية الفاضلة: المشروع الرحباني الفيروزي
الفصل الثاني تناول مؤسسة اخرى وهي الاسرة الرحبانية المتكونة من الثلاثي فيروز وعاصي ومنصور، على مدى ما يزيد عن نصف قرن فقد سار الثلاثي الرحباني نحو بلورة رؤية تتلاقى فيها الفنون مجتمعة: الموسيقى والغناء والمسرح والرقص والازياء وفنون الحياة اليومية بحيث تتحول افعال القرية إلى افعال ابداعية. ترى سعيد ان عطية فيروز الاولى حضرت في صوتها، لكنها احتفظت هذه العطية كهبة سماوية، ومن اجل رفعها إلى المنازل المتعالية قدمت كل شيء بدءاً من الدراسة في الكونسرفاتوار وصولاً إلى النظامية الصارمة في العمل. لم تتوقف خلال السنين عن الاستزادة من المعرفة والتعمق. فصوت فيروز لغة خاصة تحتضن اللحن؟ لغة من امواج، لغة هي رفيف اجنحة روحية ينطلق بها اللحن وينتشي، ينبض بالحياة اذا تعانقها أمواجها.
لقد حمل صوت فيروز ألحان الاخوين رحباني والحان جمع من اكبر الفنانين الذين لحنوا لها، إلى افاق سحرية وفيروز التي نهضت باليويتوبيا الرحباينة وكانت قطبها واجنحتها، تركت مكانها في الاسرة الفنية الرحباية شاغراً. لم ينجح غيرها في مواصلة دورها والحلول محلها، ولم يبلغ ايّ من الفنانين والفنانات ما بلغت.
مجلة شعر: تحرير الشعر وتحرير الانسان
في الفصل الثالث من الكتاب تناولت سعيد مجلة”شعر” التي صدر عددها الاول في كانون الثاني العام 1957حيث كانت تحولاً، لكنها لم تبدأ من الصفر، ويوسف الخال لم يقل انه يفتتح طريق التجديد، بل قال في حديث له إلى جريدة النهار عام 1958 جوابا على سؤال يتعلق بغاية مجلة”شعر” حيث قال: ” الغاية من انشاء مجلة”شعر” تلخص في افساح المجال أمام التجارب الشعرية الجديدة وتشجيعها وتوجيهها، وفي احتضان حركة الشعر الحديث في العالم العربي وتعزيزها بنقل نماذج مترجمة عن الشعر في العالم”. بدأت”شعر” بهيئة تحرير يوسف الخال وأدونيس واقتصرت إلى نهاية السنة الثالثة، وظهر بعدها انسي الحاج وشوقي ابي شقرا ونذير العظمة وغيرهم وجميع اعضاء هيئة التحرير الاوائل رافقوا يوسف الخال منذ بداية انتمائهم إلى مجلة شعر حتى توقفها الثاني مع العدد 44 العام1970بأستثناء ادونيس.. ترى سعيد ان مجلة”شعر” لم تقف عند تجديد التفاعيل والاشكال او عند قصيدة النثر، بل جددت تعريف الشعر وعمقت مفهوماته ودوره وفتحت حدوده الموروثة على مغامرات الانسان الفكرية.









