يوسف علوان
الجزء الاول
” ارحل عن هذا البلد، ولا تنظر الى الوراء، ابدا، فالبلد يحترق ياصديقي” هذا ما اراد ان يقوله الكاتب شاكر الانباري، على لسان صديقه المخطوف (عمران) المهندس، في نهاية روايته ” نجمة البتاوين”، بعد تجربة مريرة عاشها زاهر، الشخصية الرئيسة في الرواية، اثر عودته الى العراق بعيد 2003، وكان الانباري يتحدث عن ما جرى له، فقد خرج من العراق منذ 25 سنة مثل الكثير من مثقفي العراق الذين فروا الى منافيهم بعد ان حول النظام السابق العراق الى سجن كبير، يديره القتلة والمنحرفين. فخلال عودته للعراق اكتشف، الانباري، ان العراق لم يعد يشكل بنية ثقافية واحدة، بل بات، نتيجة للأوضاع القاسية التي مر بها، جزر ثقافية متعددة. وهذه الجزر لها اليوم علاقة بالمدينة والدين والطائفة والقومية، ومن اهم اسباب ذلك، هو التأثير الهائل للحروب المتعاقبة التي مزقت نسيج المجتمع العراقي، اضافة الى غياب المؤسسات التي تقوم عليها الدولة، الامنية والاعلامية والثقافية والاقتصادية، كل ذلك افضى الى تمزق في الهوية الثقافية. وما يجري في الوقت الحاضر، يعمق من الفروقات بين ابناء الشعب الواحد، فمقابل ضعف الشعور بالمواطنة، تعملقت افكار الطائفة والدين والعرق. وتلاشى الشعور بالأمان. واختلف الناس في تعابيرهم والفاظهم وطريقة ردات فعلهم تجاه الحوادث اليومية. وقد عاش بعد عودته رعب القتل على الهوية الطائفية والحزبية والسياسية، ورعب الارهاب، وشاهد وسمع عن القتلة وهم يتلذذون بقتل الناس، ولا يفرقون بين طفل وشيخ وامرأة. وهذا ما جعله يصور هذه الحالات جميعها في روايته ” نجمة البتاوين” ويحدد بالذات القسوة في الشخصية العراقية، والذي كان للاحتلال اليد الطولى فيها، ولكن لهذه الظواهر اسباب قديمة، في ما عاشه العراقيون خلال حقبهم السابقة وبالاخص المغامرات والحروب العبثية الذي بات المواطن المسكين يدفع فاتورتها بعد 2003. تبدء الرواية في الاخبار عن اختطاف المهندس عمران: ” اختطف عمران المهندس في الخريف، ولكن أي خريف، والفصول تتشابه في هذا البلد، وكذلك الاشهر والايام”. (ص5) هذا الاستباق في زمن سرد الرواية، بينما الزمن المفترض لهذا الحدث هو زمن أخر منها، فما الذي اراده الكاتب في هذا التلاعب في زمن الاحداث؟ والاحداث في كل رواية غالبا ما تكون صورة عن ما يجري في الواقع، غير ان الكاتب ينتقيها بعناية، ويكثفها، فهي سلسلة مترابطة برابطين: الرباط المنطقي الذي يبين علاقة الاحداث بعضها ببعض من حيث ان احدها سبب للاخر أو نتيجة له، ليس هناك في الرواية حادث عرضي او اعتباطي او مستقل عن الاخر فكلها مرسومة بدقة، ـ وهذا ما تحققه قدرة الكاتب على السرد ـ ومترابطة بعناية. ولكن الاهم من هذا وذلك هو القيم التي تحملها الرواية فالاحداث لا ترتبط بالزمن والحبكة فقط بل باهميتها وكثافتها وتضمنها للقيم الانسانية. بالتاكيد ان عملية الاختطاف كان لها وقع كبير على سير الرواية، التي تعرض لنا خيبة زاهر ( الصحفي) بعد عودته للعراق، الذي كان يمني النفس في تحقيق حلمه الذي ظل يعيش لاجله، غير ان الوقائع على الارض تختلف عن صور احلامه الوردية، فما عاد البلد مثلما تركه منذ ذلك الزمن. فبغداد لم تعد تشبه بغداد الحلم، الذي عاش عليه منذ خروجه من العراق، والذي ظل محتفظا في ذاكرته بمناطقها الجميلة: ” حي الفضل، البتاويين، الشرطة، الصدرية، الكرادة، بغداد الجديدة، اسماء تتراءى كانها حلم قديم، وثمة موت يقطن في زوايا الشوارع ويقيم على اسطح البيوت.. ” ص67. كان مشدوها، فالصور التي ظل محتفظا بها لساحات وشوارع بغداد لم يجدها ابدا ” الاشجار ذابلة، وزحمة السير على اشدها، ثمة جندي امريكي يقف في مدخل جسر الجمهورية ينظم السير، بندقيته الحديثة جاهزة للأطلاق، المكتبات التي يتذكرها زاهر في مدخل شارع السعدون مغلقة، الشارع لم يعد الا ممرا ضيقا في الوسط تسير فيه السيارات” ص71. ومثل الاخرين عاد زاهر وفي ذهنه رؤية اصدقائه الذين عاش معهم اجمل سنوات عمره، سنوات شبابه، ومازالت حلاوتها عالقة في ذهنه، سنوات الدراسة وزملائهم واحلامهم حينذاك. عندما يلتقي زاهر بصديقه عمران، الذي لم يخرج من العراق يسأله عمران ” لماذا رجعت الى البلد” فيجيبه زاهر ساخراً: ” انت مثل من يسأل المريض لماذا تتعافى، اسباب خروجي من الوطن انتهت، تذكرت أهلي وعدت…









