طبيعي أن نجد امرأةً جميلة يستلهمُها الرسامون كموديل فنيّ. فالجمالُ كان ويظلُّ مطمحَ الفنِّ وقِبلتَه. تتفق في هذا الفنون كافة من رسم ونحت وشِعر وباليه وموسيقى وغيرها. الحسناوات والورود والغيمات والأشجار ووجوه الأطفال والفراشات والقمر والنجوم والنهر، جميعها مفردات أصيلة في معجم الجمال. حسناءُ تجلس أمام لوحة التشكيل فتحاول ريشةٌ أن تقلّد الخطوط الخارجية لجسدها وملامح وجهها ونحتة الضوء والظلال ولون البشرة فتصوغ لوحةً تكاد تنطق: “سُرَّ من رآكِ”. لكن ماذا عن دواخل الحسناء تلك؟ مهلا، لم يأخذني التفلسّفُ ولستُ بصدد الكلام عن جمال الروح ورجاحة العقل وفرادة الشخصية، …. مقصدي أبسط من ذلك. أتكلم عن داخل الإنسان من أحشاء ودماء وأوردة وكبد وبنكرياس، …. هل يمكن أن تكون تلك الحشايا “موديلات” لرسّام؟ هيلين تشيدويك فنانة تشكيلية إنجليزية (1953-1996) فعلت هذا. رسمت لوحة حب بين رجل وامرأة عبارة عن مخّ بشريّ يعانق مخًّا آخر تحملهما كفُّ آدمية!.موديلات لوحاتها دائما أعضاءٌ داخلية غير مرئية من الجسم البشري، وفلسفتها في هذا جدْلُ علاقة بين المُشاهد وبين “الداخل” الإنسانيّ الغامض، عوضا عن “الخارج” المرئيّ. ربما نزعتها النسوية جعلتها ترفض أن تجعل من جسدها موديلا للرسم، بوصفها امرأة فاتنة. فراحت تستلهم الخلايا والأمعاء وقرنيات العيون أهدافا للوحاتها. بل تجاوزت في استجلاب الفن من أشياء قبيحة في لوحتها الأشهر التي صنعتها بين عامي 91-92 وأعطتها عنوان “زهرات البَوْل”Piss Flowers. وفيها قامت هي وصديقها ديفيد نوتريس بالتبوّل على أقراص من الجليد، مما أنتج تجاويفَ وتعاريجَ ونتوءاتٍ صنعتها المادة القلوية للبول فوق صفحة الثلج. ثم التمييز بين بول المرأة وبول الرجل عبر اختلاف أشكال “الزهرات” التي صنعاها من الجليد، وللعجب، صنعت بالفعل وردات فائقة الجمال بوسعكم مشاهدتها هنا: http://contemporaryartsem.files.wordpress.com/2008/12/chadwick_6.jpg?w=418 وسواء أحببنا تلك الوردات البيضاء أم رفضناها، أضحكتنا وأثارت تأملاتنا أم أثارت تقززنا، تضعنا هذه التجربة أمام سؤال إشكالي ضخم. هل الجمالُ معياريّ؟ وإن نعم، فما معاييره؟ لماذا صنعنا قائمةً صارمة للقبح من: الصرصور، الغراب، الأفعى، البومة، الحذاء، الدماء، الأحشاء الخ، في مقابل قائمة الجمال الشهيرة التي أهلكها الشعراء واستهلكوها؟ هل الصرصور حقا كائن قبيح الشكل بالمقاييس البصرية الفنية؟ لو نحيّنا جانبا ميراثَنا العدائيّ المتراكم مع الصرصور ونظرنا إليه بحياد نظرة فنية، لوجدنا أجنحةً نصف شفافة بلون مراوغ يقف بين الأحمر والبنيّ، وعيونا براقة بها عدسات مركّبة، ونجد رشاقة حركة وحبًّا للحياة لا مثيل له. ولعلنا نتذكر رواية “مصير صرصار” لتوفيق الحكيم. في الأخير سنجد اتزانا جماليًّا بصريًّا يشي بعبقرية تشكيلية وراء صُنعه. هذا ما قد يقوله رجل في منتصف العمر لا يعلم شيئا عن محنة الإنسان التاريخية مع الصرصور والنظافة. مثل زائر من كوكب آخر ليس به حشرات هبط إلى الأرض فجأة. هذا المثال الفانتازي الجدلي ألعبه أحيانا مع نفسي لكي أصنع علاقاتٍ طازجة مع الموجودات من حولي حين أكتب القصيدة. الغراب مثلا أراه كائنا فاتنا. كأنه رجل وسيم يلبس اسموكنج رمادية أنيقة مطعّمة بالأسود والأبيض. صوته لا يجلب الشؤم كما ألصقنا به، بل أجده أجمل من هديل الحمام المخيف الذي كأنما يتسلّل من تحت الأرض. هكذا، ليتنا نبني علاقات جديدة مع الموجودات والكائنات التي ظلمناها كثيرًا. الذي زار “الشارع الأحمر” في أمستردام، سوف يدهش من فتارين الزجاج التي تعرض النساء كبضائع استهلاكية. وبعدما يفيق من صدمته الوجودية والأخلاقية حيث الإنسان سلعة تُعرَض، سوف يدخل في صدمة فلسفية أخرى تضرب مفهومه الجاهز عن الجمال. حين امرأة جميلة (بالمفهوم الشائع عن الجمال: جسد رشيق وبشرة بيضاء وشعر ناعم وملامح مليحة) تُعرَض جوار امرأة سوداء بدينة جعدة الشعر غليظة الملامح، سواء بسواء. لكلٍّ سوقُها ومريدُها. والسعر موحد! ذكرني هذا بأستاذ العمارة الذي طلب منّا في الفرقة الثانية بكلية الهندسة أن نصمم بوابة “جهنم”. ثم مرّ بقلمه الغليظ الأسود ليشطب التصميمات التي خرجت جميلةً متزنةً متناسقة فنيًا ومعماريًا. ثم راح يشرح لنا “استاطيقا القبح” كأحد تيمات الخطاب ما بعد الحداثي في العمارة. وهو بالضبط ما فعله بودلير شعرا حين مجّد الشيطان في “أزهار الشر”. وما فعله قبله فيكتور هيجو، حين أجبرنا أن نرى كوازيمودو، في “أحدب نوتردام” جميلا وسيما، رغم ظهره المحدودب وعينه العوراء وأذنه الصمّاء وجسده المشوّه. القبحُ قد يكون أداةً عبقريةً لاستدعاء الجمال. حين يكون الفنانُ، فنانا، وحين نتخلص من معلّباتنا الجاهزة عن فكرة الجمال والقبح.
اهم الاخبار
ثقافية
الغراب والفراشة على بوابة جهنم
- 01 مارس, 2014
- 679 مشاهدة









