ثقافية

الخيبـــــــــة والرمــــــــز فـــــــــي روايـــــــــة

يوسف علوان 

الجزء الثاني 

 

 تذكرت وانا قادم اليك ايام الجامعة، اعتبرها ايامنا الذهبية: مقهى مام علي، وابنه أوات، وهواء الرشه به كل تلك النهارات التي قضيناها في النقاشات والغزل مع الفتيات في نادي الجامعة، حتى في مدن اوربية كنت اتذكر مام علي وسينما سيروأن وحياتنا في الاقسام الداخلية” (ص38) فما الذي اراده الكاتب من التلاعب في زمن الاحداث؟ والانباري، يمتاز بهذا الاسلوب في اغلب رواياته، وكذلك يمتاز بشخوص رواياته الذي يجيد اختيارهم، ويجيد وصف دقائق هواجسهم، القلق الذي يتصف به اغلب شخوصه وصراعاتهم الداخلية مع ذواتهم، وهي علامات فارقة لنوعية الاشخاص الذي يشغلون اغلب رواياته، الفشل في علاقاتهم العاطفية، والاحباط الذي يحسونه جراء ذلك. فعلي محمد أمين المحرر السابق للصفحة الاخيرة في جريدة (السلام) التي يعمل بها زاهر بعد عودته، يملاه الغيظ من زاهر بعد ان يأخذ الاخير مكانه في ادارة عمل الصفحة الاخيرة: ” هذا المدعو زاهر كان وسيماً ولبقاً، سيستولي على قلب ( سهى) مثلما استولى على رئاسة القسم، يتكلم بمقدار ويضحك بمقدار، وكان الكون يدور حول كلمة تنطلق من بين شفتيه، هؤلاء القادمون من الخارج محظوظون، رأوا العالم كله، اما هو علي محمد امين فسنوات عمره محشورة ببسطال الحرب فقط، السنوات الوحيدة التي عاش تجربتها بعمق، اما ما عدا ذلك فكوابيس تلك الحرب لا غير.(ص100) ذلك الصراع الخفي بين من غادر البلاد مضطراً، للخلاص من الاضطهاد والقمع البعثي، ولصعوبة العيش في العراق بسبب الحصار الذي استمر لـ 12 عاماً ثم عاد وحصل على كل الامتيازات، وبين الذين بقوا في العراق مضطرين ايضاً، بسبب عدم قدرتهم على السفر او لم يسعفهم حظهم في مغادرة البلد، لكنهم عاشوا اسوا سنوات العراق بكل اهواله، بحروبه التي راح ضحيتها مئات الالاف والحصار الذي حصد مئات الالاف من الاطفال والكبار على حد سواء. ومع ذلك لم ياتِ التغيير عليهم سوى بالمصائب والتهميش، لذلك صور لنا الانباري هذا العداء الذي يخيم على الفئتين من خلال شخصية علي محمد امين وكوابيسه التي يعيش معها ليلاً. وهذا ما يوضحه الصراع الذي يدور في الخفاء، بين زاهر ( العائد) وعلي محمد امين للفوز بقلب سهى زميلتهم في الصحيفة، والتي ترمز للعراق وخيراته، البلد المستلب الذي يحاول الجميع الاستحواذ عليه والحصول على مغانمه (جسدها، مفاتنها) الذي يصفها زاهر: الانثى الخالدة، الكهف السري الجاذب للذكورة ان كان في الصين او في نفق الشرطة ص(159).

للوصف اهمية كبيرة في انجاز النصوص الروائية مع حضور عنصر المكان، فالوصف هو: مكون هام من مكونات الرواية والكتابة السردية لانه يعوض الديكور في المسرحية (1) ويشكل للرواية عالمها الحسي، ويرسم المساحة والخلفية التي تقع فيها احداثها، كذلك يجسد ويشكل للرواية عالمها الحسي، ويرسم المساحة والخلفية التي تقع فيها احداثها، كذلك يجسد الاشياء التي تشكل الحيز والفراغ ويقدمها للقارىء، ولأن الرواية فن مقروء، لذلك يعتمد هذا الفن على ما تحدثه الكلمات من تأثيرات في ايهام القارىء بما يصوره له الكاتب من وصف وتفاصيل لاجواء الرواية. وقد اجاد الكاتب في وصفه لبغداد وما شهدته شوارعها وازقتها من تغيرات بسبب ظروف البلد التي مرت به وبالاخص شارع الرشيد الذي عده الكاتب من شوارع العالم المهمة: اغلب عواصم العالم لديها شوارع خالدة، وخلود شارع ما له مواصفات بعينها، أبرزها على الاغلب تعدد وجوه ذلك الشارع ص86. فمن هذا الشارع وفيه جرت اغلب الانتفاضات التي شهدتها بغداد في الكثير من المناسبات وضخمها التظاهرات التي كانت تطالب برحيل الانكليز عن البلاد. وظلت مقاهي الشارع ملاذا للمثقفين والمفكرين والعشاق. وقيل ان الفراهيدي اخترع بحوره الشعرية حين كان يتجول في سوق الصفارين، وهو واحد من اجنحة شارع الرشيد. من يرغب في معرفة المدينة عليه ان يقرأ خارطة  سوق الهرج. طبقات المعرفة تتراكم هناك؛ كرامافون من القاهرة، عباءة من شيراز، نفنوف حريري من حلب، مفكرة ذات يوميات غامضة رست هنا بعد تقاسم ارث أفندي تركي من الفضل، زر بدلة عفيفة اسكندر، اعشاب من الطارمية، جلود غنم من الجزيرة. هذا هو ذراع سوق الهرج الممتد من شارع الرشيد. عاش شارع الرشيد حروبا غامضة، بيع سريع لممتلكات، إغلاق محلات، دوريات مباغتة، وغاب الامان من العطفات والبيوت العريقة، ودب الذعر حتى وصل الى اشجار شارع النهر، واعمدة الرشيد والمتحف البغدادي وخانات السنك وبارات ساحة الميدان. صار شارع الرشيد يكتنز ذاكرة اخرى، ذاكرة حروب وهجرات واغتيالات وتطرف في الفكر والنظر، وتدفقت عليه عمالة غير عراقية، الى المربعة والميدان وسوق السراي والبهارات والمقاهي والمطاعم، غصت الفنادق بالوافدين وارسل ابناء البلد الى الموت في قصر شيرين والمحمرة والاهواز، ولاحقا الى الكويت وتخوم السعودية وجبال كردستان وصحارى الرمادي. (ص93).

ما الذي اراده الانباري من تسمية روايته هذه (نجمة البتاوين) فمعلوم ان العنوان الذي يشار به لعمل روائي ما، كثيرا ما يساعد على رسم صورة مقربة لهذا العمل، تحدد هويته الابداعية وثيمته العامة، وقد تسهل معرفة معالمه في صورة تعتمد الاستعارة او الترميز. ومن هنا، فالعنوان عبارة عن صيغة مطلقة للرواية وكليتها الفنية والمجازية. ويساعد ذلك على جمع الصور المشتتة ورؤيتها من جديد، في ثيمة عامة تصف العمل الادبي. والعنوان هو الدلالة او الصورة الاساسية، التي يستحضرها المتلقي اثناء التلذذ والتفاعل مع جمالية النص الروائي معالمه الرمزية. وهذه الصورة العنوانية قد تساهم او تساعد في فهم النص ومعرفة مسبباته. بينما نجد بعض العناوين غامضة ومبهمة ورمزية بتجريدها الانزياحي، مما يطرح صعوبة في ايجاد صلات دلالية بين العنوان والنص.

صحيح ان جزءاً من احداث الرواية، وجزءاً صغير جدا، يدور في المنطقة التي تسمى البتاوين وهي منطقة عريقة في مركز بغداد، وقد عانت هذه المنطقة مثلها مثل باقي مدن العراق في سنوات الحصار اهمالا كبيرا من قبل الجهات المسؤولة عن تقديم الخدمات لها، حتى باتت بعد السقوط منطقة خربة بيوتها آيلة للسقوط بسبب قدمها، وكذلك اصبحت منذ زمن بعيد مأوى لاولئك الضائعين والمشردين والمدمنين وعصابات القتل والتسليب ومركزا للبغاء. فلماذا تتكرر هذه الاماكن وشخوصها التي تعتبر من قاع المدينة في روايات الانباري ولماذا الاهتمام المفرط بهذه المدن وناسها وهؤلاء الناس؟ فليس عبثا هذا الاهتمام بهؤلاء الناس وتلك الامكنة!!

********

جيرار جينيت وآخرون/ الفضاء الروائي/ ص32.     

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان