داود سلمان الشويلي
تطورت وسائل الاتصال في ايامنا هذا حتى بات العالم كالقرية الصغيرة ،حيث يمكن الاتصال بمن شئت بسهولة ويسر من خلال التقنيات الحديثة لوسائل الاتصال كالنت، وما فيه من برامج ، وتانكو ،والسيكايبي ،والفيس بوك … الخ ،والبريد الالكتروني بشتى انواعه، صوت وصورة ، حتى اننا يمكن ان نصور موقف معين بآلة للتصوير ، كأن تكون جهاز اتصال مثلا ، وبالسرعة نفسها يمكننا ارسالها الى ابعد نقطة في الكرة الارضية . هذه السهولة التي اتاحها لنا تطور وسائل الاتصال فهمت من البعض من الناس فهما خاطئا ، فأستخدمت استخداما خاطئا، لم يكن في تصور من اخترعها ،او طورها. وفي حياتنا نحن المهتمين بالادب والثقافة ،يثار دائما سؤال مفاده :هل السلوك الشخصي للانسان يتطابق مع سلوكه الادبي؟ طرح هذا السؤال كثيرا عبر التاريخ ، واختلفت الاجابات ، وظل السؤال يثار بين حين واخر . السلوك بالمعنى العام والشائع هو: اي نشاط يصدر عن الانسان ، ومنه الذي يشعره بالالم واللذة . ومن مجالات اللذة التي يحصل عليها الانسان هو ما يتعلق بالامور ( الجنسية ) خاصة . لو تصفحنا ادبنا – الشعر خاصة – (وهل لنا تاريخ وتراث غير الشعر ) منذ العصر الجاهلي لوجدنا ان الشاعر يقول ما يؤمن به من اعتقادات ، وامور، وما يسلكه من سلوك يومي في شعره ، وامامنا تجارب لشعراء من العصور الشعرية القديمة وموقفهم من الجنس بكل تجلياته مثلا، كالعصر الجاهلي، والاسلامي، والاموي، والعباسي ، وعصر الانحطاط . فشعر امرؤ القيس مثقلا بتجاربه الجنسية – صحت او لم تصح – وهي مبثوثة في شعره الذي وصلنا اذا تجاوزنا راي الدكتور طه حسين بالشعر الجاهلي. يقول في قصيدة له: فَجِئتُ وَقَد نَضَّـــــت لِنَومٍ ثِيابَها لَدى السِترِ إِلّا لِبــــسَةَ المُتَفَضِّلِ فَقالَت يَمينَ اللَهِ ما لَكَ حيـــــلَةٌ وَما إِن أَرى عَنكَ الغِوايَةَ تَنجَلي خَرَجتُ بِها أَمشي تَجُـرُّ وَراءَنا عَلى أَثَرَينا ذَيلَ مِرطٍ مُرَحَّـــــــــلِ فَلَمّا أَجَزنا ساحَةَ الحَيِّ وَاِنتَحى بِنا بَطنُ خَبثٍ ذي حِقافٍ عَقَنقــَلِ هَصَرتُ بِفَودي رَأسِها فَتَمايَلَت عَلَيَّ هَضيمَ الكَشحِ رَيّا المُخَلـخَلِ إِذا اِلتَفَتَت نَحوي تَضَوَّعَ ريحُها نَسيمَ الصَبا جاءَت بِرَيّا القَرَنفُلِ مُهَفهَفَةٌ بَيضاءُ غَيرُ مُفـــــاضَةٍ تَرائِبُها مَصقولَةٌ كَالسَـــــــجَنجَلِ كَبِكرِ المُقاناةِ البَياضِ بِصُـــفرَةٍ غَذاها نَميرُ الماءِ غَيرُ المُحَــــلَّلِ تَصُدُّ وَتُبدي عَن أَسيلٍ وَتَتَّقــــي بِناظِرَةٍ مِن وَحشِ وَجرَةَ مُطـــفِلِ وَجيدٍ كَجيدِ الرِئمِ لَيسَ بِفاحِــشٍ إِذا هِــــــــــــيَ نَصَّتهُ وَلا بِمُعَطَّلِ وَفَرعٍ يَزينُ المَتنَ أَسوَدَ فاحِــــمٍ أَثيثٍ كَقِنوِ النَخـــــــــلَةِ المُتَعَثكِلِ غَدائِرُها مُستَشزِراتٌ إِلـى العُلا تَضِلُّ العِقاصَ في مُثَنّىً وَمُــرسَلِ وَكَشحٍ لَطيفٍ كَالجَديلِ مُخَـــصَّرٍ وَساقٍ كَأُنبوبِ السَقِيِّ المُــــــذَلَّلِ ويقول في اخرى: وَيَومَ دَخَلتُ الخِدرَ خِـــــدرَ عُنَيزَةٍ فَقالَت لَكَ الوَيلاتُ إِنَّكَ مُرجِــــــــلي تَقولُ وَقَد مالَ الغَبيطُ بِنا مَــــــــعاً عَقَرتَ بَعيري يا اِمرَأَ القَيسِ فَاِنزُلِ فَقُلتُ لَها سيري وَأَرخي زِمـــامَهُ وَلا تُبعِديني مِـــــــــــن جَناكِ المُعَلَّلِ فَمِثلُكِ حُبلى قَد طَرَقتُ وَمُرضِــــعٍ فَأَلهَيتُها عَن ذي تَمائِمَ مُــــــــــحوِلِ إِذا ما بَكى مِن خَلفِها اِنصَرَفَت لَهُ بِشِقٍّ وَتَحتي شِقُّها لَم يُــــــــــــحَوَّلِ و قصيدته النابغة الذبياني معروفة للجميع ، والتي يقول فيها: ( سَقَطَ النَصيفُ وَلَم تُرِد إِسقاطَهُ………. فَتَناوَلَتهُ وَاِتَّقَتنا بِاليَدِ) التي يصف بها زوجة الملك بعد سقوط قطعة القماش التي كانت تتزر بها ، فبان كل شيء للعيان. وتراثنا النثري العربي – الاسلامي عبر العصور مثقلا ايضا بالامور الجنسية ، والتي تحدثت عنه في دراسة سابقة وجدت صداها على مواقع النت عنوانها (الادب الايروتيكي في التراث العربي – ” الجنس في التراث العربي “) وان كل كتابها هم من رجال الدين ، وفي كتاباتهم اشعار تحمل بين ابياتها امورا جنسية فاضحة ، الا انهم تقبلوا روايتها ،والحديث عنها ، والسمر بها. انهم يناقشون كل الامور دون عيب ، او خجل ، او حرام . اما في عصرنا هذا ، فكان ان ظهر العيب ، و الخجل ، و الحرام ، وكلها تمنع الشخص في قول حقيقة مشاعره ، واحاسيسه ،وهواجسه الجنسية التي يجب ان تكون غاية الجميع ، ومقبولة منهم ، فانشطر الانسان الى شطرين ، بل الى شخصيتين ، احدهما علنية ، والاخرى سرية. وكثير من اصدقائنا الشعراء – على مستوى العراق – حالهم حال ابناء مجتمعهم ، يملكون هاتين الشخصيتين ، فعندما يقول الشعر ينسلخ كليا من شخصيته العامة التي يعيش فيها في الحياة، ويلبس شخصيته الخاصة الشعرية التي يكتب بها ، ويمتح من مخيلتها ، وذاكرتها . الذي اريد ان اصل اليه بعد هذه المقدمة القصيرة الى ان الكاتب – الشاعر خاصة في زماننا هذا – يكتب الشعر بشخصية غير التي يتعامل بها في حياته العامة. في الايام الاخيرة وصلتني على بريدي الالكتروني كما وصلت للعشرات من الزملاء ( وزعت على اكثر من ثمانين بريدا الكترونيا ) مقاطع فديو لاحدى الشاعرات المعروفات وهي في وضع ( جنسي ) معين . لم اتاكد من صحة ما تحمله هذه المقاطع ، الا ان شاعرا عراقيا معروفا، وكاتبا عراقيا ايضا معروفا وغيرهما ،ردا على مرسل هذه المقاطع يطلبون منه ان يكف عن التشهير ، ويستر – استخدمت هذه الكلمة في الرد – على هذه الشاعرة . نتساءل: هل يطالب مرسل هذه المقاطع ان تتطابق الشخصيتان – الشعرية والعامة –للشاعر؟ ان الشاعر هو انسان قبل ان يكون شاعرا، وعليه ما على الانسان ،وله ما للانسان ، فهو يخطأ ويصيب ( اذا كانت مقاطع الفديو تلك تعد من الاخطاء ) ، وسلوكه في الحياة تمليه عليه الحياة نفسها ، اما في الشعر فان شروطات، وقوانين الشعر، والمخيلة هي التي تتحكم به وتسيره الى حيث يصل به شعره. اذن علينا ان نفرق بين السلوكين ، فمن يريد شعر الشاعر فليذهب الى شعره ويستمع اليه ، او يدرسه بعيدا عن مؤلفه – حسب نظرية موت المؤلف – ، ومن يريد سلوك الانسان الشخصي، فليذهب للبحث عن الانسان بكل تجلياته ، والامور التي تمليه عليه الحياة ، و تناول هذه الامور يدخل في موضوع الستر ، وليس التستر ، والخصوصية ، والحرية الشخصية التي نناضل في سبيل تحقيقها في مجتمعنا. اذكر مما قراءته من تراثنا الاخلاقي ان احدهم جاء للنبي واخبره ان فلانا يشرب الخمر ، فسأله النبي عن كيفية معرفته ، فقال له : اني تسورت حائط بيتهم ورايته يشرب الخمر ، فما كان من النبي الا ان نهر هذا الشخص ومنعه عن التسور على الحيطان ، وكشف المستور من امور الناس ، ولم يحد الشارب. ان فعل مرسل هذه المقاطع يقع تحت طائلة القانون في انه تدخل فيما لايعنيه من امور شخصية ، اذا كان القانون عندنا في هذه الايام يعد هذه الامور تدخل في الامور الشخصية.









