علوان السلمان
الشعر ضرب من النسيج وجنس من التصوير كما يقول الجاحظ..لخلق الصورة الشعرية التي هي جوهره..كونه تعبير عن الجوهر الكوني والوجودي بدفق فني من الاحساس والايحاء من اجل ايقاظ الذات والذات الجمعي.. فالشكل الشعري يستمد وجوده من عناصر الوجود المحسوس باللفظ الذي هو الشحنة العاطفية الفاعلة بتفاعلها مع المعنى والايقاع لانتاج الشعرية التي تكمن جماليتها بتآلف وانسجام التراكيب على المستوى الفني باقتناصها الرؤى ذات النسج الايحائي عبرالجملة والصياغة والصورة المتحققة بوساطة الجهد التنظيمي البنائي الذي يحققه الشاعر الذي يبني نصه على مسلمات شعرية تتمثل في الايقاع واللغة والصورة.
اضافة الى اشتراطات تقانية تنحصر في السرد والحوار والمفارقة والبناء الدرامي..لذا فهو يربط بين عناصر النص وحركته الداخلية بلغة متفاعلة ومتناغمة بمفرداتها التي تزدحم بالتأملية المحفزة.. والشاعر عدنان الفضلي في مجموعته (غواية الساعات) الصادرة عن دار ميزوبوتاميا /2011 والتي احتضنت بين دفتيها احدى وثلاثين نصا شعريا واهداء الى(كل من يعطر فنه بالصلاة على العراق وآل العراق)..فيها يضع الشاعر متلقيه امام رؤية تاملية مليئة بالخيالات..فالعنوان التقانة الفنية بدلالته الثنائية التي تخاطب الاخر عبر الزمان والتي تكشف عن بوح ذاتي بجملتها الاسمية المضافة الدالة على البعد الرابع للمادة المتحركة والذي يكشف عن الحركة والحدث وتنظيم مظاهر الفعل المختزن في الذاكرة..لذا فهو قيمة تحقق وجودها الطبيعي من خلال الجهد المبذول..المتميز بالحركة.. والتفاعل..لذا فهو تعبير عن قيمة دينامية كشفت عنها لوحة الغلاف التي حققتها انامل الفنان سلفادور دالي والكاشفة عن الزمن عبر الساعة الرمز الزمني المعلقة والمطروحة والسابحة في فضاء الوجود.. رغم انك لم تات.. لكن الانتظار هناك احرق كتفيك ورغم ان رقاص ساعتك.. ينتابه الخمول الا انك استعجلت الفراغ تمشط به ليل النكبة/ص27 فالنصوص تستنطق ارواحا حية (صباح محسن وسعد حتر وستار كاووش وكاظم مرشد وريسان الخزعلي وكريم ثاني وعبدالستار ابو ريشة ومحمد درويش…)..بهمسات دافئة ودفقات شعرية مؤثرة.. اذ الاهداء يكشف عن هذا الاستنطاق مع مداعبة الوجدان بحركتها ونشاطها الكلمي وفعلها في هيكلية النص الشعري وبنائه..لذا فهي انفلات من قبضة الدال (ضيق العبارة) الى اتساع المدلول(المعنى) فكانت نصوصا متمردة على واقعها وهي تخرج من شرنقتها صوب حسية الواقع ودينامية الوجود.. وجع جدي.. يغمر الحقول والعباءات ويمد عصاه.. لينقذ مدينة غرقت في السراب منذ قصرين ونيف.. كان كوخ جدي يوميء للتراب ويقترح النهارات والغيوم فالتبحر في نص الشاعر يجر صوب الذهنية التي تتطلب كما معرفيا بدلالاته ومعانيه الفنية كي يحيط المتلقي بابعاد التجربة وحيثياتها..تلك التي صبها الشاعر وقولبها في نصه الشعري الذي يشكل انحرافا عن المالوف وانزياحا في التراكيب..انه الخطاب المتخفي خلف اللغة بفكرته التي تشكل بؤرة النص المتقاطع مع الواقع والذاكرة والحلم والمعارف بكل تشعباتها وافعالها..انه جرس الاوجاع وقمر الاحزان.. ينبثق نازفا صوره الشعرية واحالاته الاستعارية واحتمالاته الدلالية المفتوحة على التأويل من خلال الرموز والمجازات ..كونه ايحاء وترميز..في الداخل طيفك وعلى زاوية الباب قميصين قدهما الشوق.. حتى تمزق اللذان كانا بداخلهما /ص105 فجمالية الانزياح ما يميز النص والتشكيلات اللغوية الفاعلة في تحريك المشهد وتحفيز الرؤى وتكثيفها بلغة منسابة بايقاعها المنبثق من بين جوانحها..المنبعث من شعورية مرهفة الاحساس..تكشف عنها جمالية البناء الشعري التي هي جمالية معمارية تعتمد النص البصري في شكلها الفضائي الذي يعبر عن مسارها الدلالي وحراك الذات وتوترها باقتصاد لغوي وتكثيف جملي مع ضربة مفاجئة تحرك الخزانة الفكرية للتأمل وتحقيق التحفيز الجمالي الانزياحي الذي انتج حركة جمالية نسقية فاعلة نشرت روحها على الامتدادات النصية التي عمقت الرؤية..وقدمت نصا تميز بواقعية شاعرية متدفقة بحس شعري وايقاع داخلي ..فاخترقت الآفاق وفق انساق فكرية تعمق الرؤيا التي تتعامل مع الواقع وخلق الايحاءات الشعرية من اجل توصيل الدالة في النص.. ما الذي تنتظره الاصابع وكل الاجزاء اغتسلت بدبق الاوردة ماذا يريد هذا الالف الشامخ كمئذنة ما دام الطريق سالك الى مداخل القيامة /ص107 فالنص عنده متصاعد شعريا ضمن بناء متوازن من حيث الجملة والصورة الشعرية التي تمزج بين الرؤية والتأويل والايحاء وهي تشع بمفرداتها التي تجر النص ببنائه صوب العمق الروحي الذي يحمل المعنى والدلالة الموحية لتحقيق اللذة الشعرية الجمالية والتي هي مقصد الادب وغايته كما يقول ارسطو ونحن نضيف لها المنفعة التي تنعش الفكر وتحركه للتأمل كونها تمتلك دلالتها الفنية وابعادها الجمالية والانسانية مع كشف عن مؤثرات بيئية وخوالج نفسية.. شعورية.. وحين يتساقط الندى اعرف ان الليل جاء على هيئة انثى يبتل خصرها وما دونه بالشعر /ص91فنصوص الشاعر مزدحمة بالصور التي نسجتها لغة مجازية لا تخلو من الومض عبر التكثيف والايجاز والاقتصاد اللغوي مع اعتماد الرمز كاداة فنية.. كون الشعر(ايحاء وتلميح وترميز)..انها نصوص تخرج من عبائتها الذهنية صوب حسية الواقع ودينامية الوجود عبر المخيلة الشعرية التي تحول العاطفة والفكرة الى صورة.. وتزاحم التعبير العاطفي بصورها الحسية..كون الشعر عالم فني دينامي لا يعرف الثبات ..لذا فهو دائم التنوع مع تغريبه للمألوف.. وبذا استطاع الشاعر الفضلي بحسه الشعري وشاعريته المتدفقة بايقاعها المنبعث من ثنايا مفرداته ذات الدلالة الفنية والعمق الايحائي الممتد مع امتداد غواياته الساعاتية ان يقدم نصا يدغدغ المشاعر وينعش ثنايا الروح ويحرك الفكر..









