فلاح شاكر
من الصعب جدا أن تكتب سواك وخاصة حين يكون مصدرك الأول هي ذاكرتك وفي نفس الوقت يكون شاهدك قلبك.. ولكن دائما ما يجد الكاتب نفسه في ورطة محبة يكون هو طرفا فيها ولا يستطيع ان يكون محايدا …القلب يكتب نفسه ..ولكن سيبدو متطرفا وبعيدا عن نبضه ان لم يستند الى واقع يدعم الوقائع قبل الاكتفاء بالمحبة .
تلك (ورطة) بين مبالغة المحبة وبين وقائع القلب ..محمد ليس أخي بل هو – لا اقول رفيق عمر – هو مثال لعصامي جمع الثروة والعلم في ذات الوقت …أفخر بأهلي الذين تلحفوا الفقر بضمير مترف ..بأب يشبه زوربا بمغامراته من التنف السوري حيث الصحراء والذئاب -وانا عشت معه هناك لفترة سأتحدث عنها لاحقا – الى قفزة لا يمكن ان تخطر ببال أحد لتجد العائلة نفسها في قضاء الزبير في البصرة -وأنا عشت ايضا معه قبل مجيء العائلة – هذا الاب الذي لا يجيد القراءة والكتابة لكنه يقامر بكلّ شيء ..اوراق اليانصيب ..سباق الخيول -وقد باع قطعة ارض اشتراها لنا في بغداد- ورغم كل مقامراته ومغامراته كانت دموعه العصية قريبة حين يتعلق الأمر بعائلته …ورغم كل القتال الذي خاضه مغامرا ومقامرا ومقاتلا، لم يستطع ان يترك خلفه سوى جينات وراثية وعادات اكسبها لنا، ربما اهمها هي الرغبة الشديدة لمغادرة الواقع الذي فرضته علينا وعليه طبيعة الولادة بمكان ما او الرضوخ لواقع ولادتنا ..لهذا كلّنا بنون وبنات غادرنا حاضنة ولادتنا الى ما هو اهمّ واكبر في تاريخ عائلتنا …لكنّي اعترف ببصمة اليدين أن اكثرنا تطرفا في المغامرة المحسوبة والوصول الى اهداف ابعد من الخيال بشكل مدهش هو محمد الروح . الان ومع كل مشاريعه التنموية العملاقة وقد تجاوز الخمسين من العمر يحضّر لدراسة الدكتوراه بعد ان اخذ الماجستير في الفنون الجميلة … منذ فترة طويلة وأنا أريد ان اكتب ذاكرتي معه لكي تكون فعلا ذاكرة توأم لروحي ولكن دائما أجد العجز بكتابة يجب ان ترتقي الى الموضوعية لكي تكون شاهدا بحق على جيل ورجل نحتاج الان ان يكون مثالا ووجها لعراق قلبي ..وحين يصبح صعبا الفصل بين المحبة وسيرة الذاكرة وجدت الحلّ ان اكتفي بالوقائع التي دائما يدعمها شهود على قيد العراق او انجازات يراها الناس او وثائق تتحدث عن نفسها .. ولأن ذكريات التوأم ستاخذ وقتا وخصوصية في الكتابة فأنا أحب ان اقول ما اكره هي لحظة وداعي معه قبل أكثر من خمس سنوات …غادرت العراق 2006 بعد استشهاد اخي وصديقي عبد شاكر وعشت في سوريا وكنت دائما على تواصل طبعا مع محمد ..وفجأة تحدد موعد سفري بعد يومين ..اتصلت به صباحا وتبادلنا الدمع والامنيات في التلفون ..كان هو في اربيل .. كانت طائرتنا فجرا عصر اليوم السابق اتصل بي محمد ليعتذر عن الحضور ..اصابتني الدهشة فنحن لم نتفق على حضوره للوداع عرفت انه لم يحصل حجز من اربيل- دمشق فغادر اربيل الى مطار بغداد بعد ان حجز في اخر رحلة ولكن الغبار الكثيف منع الطيران فبات ليلته على مساطب المطار منتظرا رحلة اليوم التالي وبقى للعصر واتصل بي بعد ان تم الغاء كل الرحلات …يا أبن روحي كم وكم تعذبت فقط لتقول لي الله معك ..فقط لأحظنك …تألمت كثيرا لعذابه ورحلته المتعبة ومبيته على مساطب مطار بغداد ودعته بالتلفون وانا قلبي يتقطع بالدمع المكتوم …في الثانية عشرة ليلا قبل السفر بخمس ساعات رنّ تلفوني واذا محمد على الهاتف ..لقد اخذت سيارة من المطار الى دمشق وقد عبرت الحدود السورية الان اعطني عنوانك في دمشق ..يا الله يا الله كيف يمكن لأنسان ان يغادر وطنا وفيه قلب مثل محمد ..كنت يومها ابات مع ابني الرائع علي محسن واعطيته العنوان وقلبي يرتجف …في فجر الله وقبل ان اتوجه الى المطار كان محمد معي في ازقة دمشق التي يتيه فيها اهلها ..وجاور قلبي وروحي الى المطار ..لم اره الّا على مسافة سفر ..في المطار اعطاني ما استمد منه بقية عمري اعطاني صورة وجهه وابتسامته التي من كبرياء تتخفى خلف الدموع …قلمي محمد توأم ذاكرتي ..لا اعرف كيف اكتبه ؟؟









