ثقافية

عراقيات في روايات المبدع برهان شاوي

إن من يقرأ روايات الروائي والشاعر برهان شاوي الأخيرة خاصة “متاهة آدم” و”متاهة حواء” و”متاهة قابيل”، يجد نوعا من النساء بشخصيات سحقتهن ظروف الحياة السياسية العراقية، بل طحنتهن الحروب والحصار والضغوط الحياتية حتى بات من الطبيعي المساومة على الجسد كآخر مايتبقى لهن من حلول تخرجهن من أزماتهن، أو هكذا أرادت لهن عصابات الذبح والاختطاف، من أجل أمل في انقاذ أعز الأحبة، فليس سوى الجسد، وهو المعادل غير الموضوعي للقتل بقتلٍ من نوع آخر. من هنا أحببت أن أسلط الضوء على هذا الواقع لا بعين ناقد أدبي- فلست بناقدة- ولا بعين القارئ العابر، إنما بعين الإنسان المعذب، الذي بلغ حداً من الوجع واليأس مما يمر بوطنه وأهله.

بلقيس حميد حسن

 
إن مايراه أهل العراق من موت وتقتيل مستمر اليوم، وما تعانيه المرأة من ظروف قهرٍ بالدرجة الأولى، هو وضع مدمرٌ للحضارة. فالحضارة إمرأة، وان تقدم الشعوب يقاس بمكانة المرأة فيها ومدى استقلاليتها واحترام المجتمع لحريتها وصيانة كرامتها، ولأن أغلب شخصيات روايات الكاتب برهان شاوي واقعية كما أخبرني بذلك، أو هي تقترب منها، كان لزاما علينا دراسة هذه الروايات كبحث اجتماعي، فالروايات كانت بصراحتها وجرأتها مثل واجهة زجاجية تعرض جميع مالدينا من أجسادٍ، ودرجات وعي، وظروف، وأنواع من الجرائم السياسية، والدوافع المختلفة، وجموح مرتكبيها، بسبب تراكمات نفسية مرضية لحياة قاهرة للانسان، حيث تتحول المشاكل السياسية بداخل الغرف المظلمة الى مشاكل اجتماعية بعد أيام، وتلتصق بالمرأة وحدها دون الرجل كوصمةِ عارٍ لاتمحى، وتستمر بقهرها حتى تحطم ذاتها واحترامها لروحها فتؤدي بها غالبا الى اللجوء الى يوتوبيا لانعرف مداها، أو هروب من المجتمع بشتى اشكاله، فهي أما تنتهي بالخروج من الوطن، وهو أحسن الحلول – رغم وجود مايسمى بالديمقراطية والقانون- إذ يبقى هذا الوطن طاردا لأبنائه قاتلا لهم بشتى الوسائل، فيكون من استطاع أن يدبر هذا النوع من الهروب أسعد حظا من الغالبية المقهورة فيه والتي لا تدري متى تموت، فتكون الغربة هنا بديلا، والمحظوظة ممن تعرضن لجرائم التعذيب والاغتصاب هي القادرة على الخروج من الوطن، وإلا يجري إسقاطها من اعداد السكان كفردٍ نافعٍ للمجتمع، فتصبح إنسانا ضائعا، كارها للحياة حاقدا، وبلا كرامة، بعد أن أصبحت تحت نير ابتزاز المجرمين الذين يغتصبونها ويتداولونها تحت التهديد المستمر بالفضيحة، وذلك عن طريق تصوير فلمٍ للاغتصاب كما في “متاهة قابيل” إذ يجري مساومة الأم على جسدها مقابل إطلاق سراح ابنها الوحيد اليتيم وهو طالب جامعي ناجح، فتضطر الأم للدفاع عن ابنها بكل الوسائل من بذل المال، لكن المجرمين لا يكتفون إلا بجسدها ليصبح سببا للابتزاز الدائم، فتضطر لقبول طلباتهم مدفوعة بدافع الأمومة النبيل، ويتحدث المجرمون عن الأم أمام ابنها المختطف بطريقة جارحة له، وبعد اطلاق سراحه يرى الفلم، صدفة، فيـُصدم، عندها يتحول الشاب من إنسان مسالم وطالب طموح مهذب الى قاتل، ينضم الى عصابة طائفية أخرى مضادة الى طائفة مغتصبي والدته، ويصبح وحشاً يتعطش لدم مغتصب أمه، يرفض اللقاء بأمه وتتغير مشاعره إزاءها، حيث تكسر العلاقة المقدسة بينه وبينها، ويفقد الثقة بالبشر ثم تنتهي حياته بالانتحار، بعد إن دمرت نفسيته بتعرضه هو أيضا للاغتصاب من قبل العصابة التي يعمل معها، وبعد قيامه بقتل آخرين بيديه وتقطيع أوصالهم. إن هذا الواقع المطروح في الروايات- وهي تمويه واضح لسير ذاتية غالبا- ترينا هذا القهر المرعب للمرأة العراقية بظل وعي ديني مشوه بتقاليد لا إنسانية ولا تمت للدين بصلة. لقد شخصت الروايات هذا الفصام الشخصي المستشري بين الناس، المتمثل بالازدواجية في رؤية الحقائق والمواقف، وهذا الكبت المجنون، حتى صار الحديث عن رؤية الأشباح يختلط بالحديث عن الواقع، ولم يشر الكاتب علنا الى ظاهرة كثرة المشعوذين إنما هو استنتاج منطقي نراه واقعاً، حيث أصبح المشعوذون طبقة مستغلة للبسطاء وللنساء خاصة، وصارت الأشباح عبئا على نفسية العراقيين. كلمة أخيرة في هذه الوقفة الصغيرة مع سلسلة متاهات العراقيين التي لاتعد، هي ان المرأة العراقية قد تحملت كل سنوات الحرب والحصار والعنف والموت اليومي، ونراها الآن في ظل الفوضى الأمنية وكثرة التفجيرات والعصابات المغسولة الدماغ بالفكر الطائفي أو المدفوعة من جهات خارجية مشبوهة، يصعب عليها أيجاد الأمان والصحة النفسية لها ولأطفالها، فتبقى كل الحلول لانقاذ المجتمع العراقي من التراجع على كل الأصعدة أمرا شبه مستحيل. إن وضع الحلول للملف الأمني بالعراق قادر على استقرار ضمني ومعالجة لكل معاناة الانسان المعذب، والمرأة بالدرجة الاولى، حيث أصبحت ضحية الضحايا، فبسبب النظرة الدونية لها، وبسبب تدني وعي العامة، تكون المرأة مذبوحة وملامة بذات الوقت، حتى وإن كانت مغتصبة ومجني عليها، فأي ظلم تعانيه العراقيات؟
 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان