ثقافية

توثيق الواقع وأرخنته روائيا … قراءة في رواية(راشد يحصد) للروائي حسن عبد الرزاق

أن تأخذ من واقعك القصص والحكايات هو العمل الناجح في توثيق تاريخية هذا الواقع، وصياغته بمتوالية حكائية سردية تعطي أبعادا كثيرة، وان تعمل على أرخنة الواقع برمزية استعارية وتشبيهات لمسميات وأرقام ووجوه لهو عمل فني بطولي في مرحلة تبدو عصيبة وشائكة بعض الشيء.

 
عبد السادة البصري
 
هذا ما فعله الروائي(حسن عبد الرزاق)في أعماله الثلاثة،حيث رسم صورة حقيقية لهذا الواقع بجماله وقبحه،بحلوه ومره،بطيبه وخبثه….وبكل شيء فيه.فإذا قرأنا الأعمال الثلاثة هذه سنجد متوالية حكائية سردية تؤرخ للعراق ضمن فترة وجيزة ،وهذا مايسمى بأرخنة الواقع المعاش..سأترك الحديث عن روايتيه الأولى والثانية(سيناريو حياة النهر)و(بوصلة غضبان بن شداد)،وأتحدث عن روايته التي صدرت حديثا (راشد يحصد)،إذ نلمس من العنوان مدى الخسارات التي منينا بها..حيث إن الذاكرة الجمعية تعرف ان راشد والمترادفة الكلامية معه (يزرع) وهذا معناه انه يزرع الخير والمحبة والتطور وكل شيء جميل للناس في كل مكان وزمان،لكن الذي حصل عكس ذلك حينما غير الروائي هذه المترادفة بتضادها (يحصد) ومعناها انه حصد ما أردناه أن يزرعه ولم يترك زرعا للآخرين،فمنذ البدء نبصر راشدا ((أعلى من المتجمهرين بدكة حانوت مرطبات ))ص5.واقفا يتأمل المشهد ويمني النفس بالكثير الكثير..راشد هذا يحمل إرثا من الأسماء (تايه، مشتت) ومعنى الاسمين هنا يحيلك الى ان هذا الشخص لا يعرف له مستقرا وبالتالي هو موزع الاماني والافكار والادهى من ذلك انه بالكاد يعرف القراءة والكتابة (اي محدود الوعي الثقافي والفكري) وانه سكير وعربيد وشقي لا يستقر على ذاته ابدا..وهذا يعطيك انطباعا اوليا ان بطل الرواية غير مستقر ذاتيا ونفسيا وضميريا..اذ انه يبحث عن مصلحته اينما وجدت وبأية طريقة كانت..وبما ان زمن الرواية يبدأ من سبعينيات القرن الماضي وما بعد سقوط النظام الفاشي بأشهر لذا نجد المتغيرات النفسية والفكرية وشيوع الانتهازية والوصولية بين الناس اضافة الى محاولات النظام السابق في تلك الفترة من الهيمنة الكلية على مفردات الحياة المعيشية والفكرية في آن واحد وبأية وسيلة كانت.فيوم تأميم النفط وتظاهرات الناس المؤيدة وصراعات الشيوعيين والبعثيين رغم انهما في معاهدة الجبهة الوطنية الا ان البعثيين وكونهم المسيطرين على مقاليد الحكم يحاولون خلق المشاكل والعراك وابعاد الناس عن الشيوعيين وهذا ديدنهم في ذلك الوقت،اضافة الى الدسائس والمؤامرات الدنيئة وغير الاخلاقية التي كانوا يمارسونها للنيل من الشيوعيين ،وكيفية كسب ضعاف النفوس والسيطرة عليهم بالمال والجنس الرخيص والاغراءات الاخرى مع التخويف والتهديد والترهيب، ماحدا بالكثيرين من ذوي النفوس الواطئة والرخيصة الى السقوط في حبائلهم والانجراف في لعبتهم القذرة…وهذا مالمسناه عند بطل الرواية (راشد) حيث سقوطه المريع بين احضان البعثيين وانهماكه في العمل وبشكل جدي لامحدود لغرض ارضائهم ونيل المراتب والدرجات العليا والمكارم والهبات على حساب كرامة ودماء واعراض الاخرين ممن سكنهم حب الوطن واباء النفس.يتدرج راشد بالمسؤولية الحزبية على قدر ظلمه وايذائه للناس بقوة السلطة والسلاح حتى يقع في حبائل خصومه من الحزب نفس والسلطة ليتعرى امام الجميع ويظهر معدنه الرديء وان كان ظاهرا للعيان الا ان الخوف كان مغطيا عليه..بعدها يساق الى الحرب التي اشعلها قائدهم الطاغية دون سبب ويقع اسيرا بيد الذين حاربهم ،ثم يتحول من بعثي متجبر من رجالات الحزب والسلطة القساة القتلة الى واعظ ديني ومعارض يحمل الدين والاخلاق والمباديء بين جنبيه ـ وهذا لايمكن ابدا لنفس هي أردأ من الرداءة نفسها ـ لمحاربة ومقارعة السلطة وجنودها…وبعد سقوط الطاغية يجيء مبشرا وواعظا ويتبوأ مركزا مرموقا في ادارة شؤون البلاد والعباد لتبدأ مسيرة النهب والفسوق والفساد مرة اخرى في حياته..فالنفس الوضيعة تبقى على حالها مهما تغيرت الظروف والازمنة لان جوهرها خراب لايمكن ان ينظف ابدا..منذ الكلمة الاولى وحتى الاخيرة نعيش مع رجل لايملك من الانسانية شيئا فهو صفيق ودنيء ومتعال ورذيل وتافه ومنحط لايعرف شيئا من الاخلاق الحميدة ابدا لكنه يسيطر على مقدرات البلاد والعباد بتلونه كالحرباء حيث يحصد كل شيء لمصلحته ويترك الاخرين في إلم وحسرة وتساؤل.
حسن عبدالرزاق خلق مكانا هو كل مدينة وقصبة وزاوية في العراق اضافة الى انه اعطى وصفا دقيقا لما حصل ويحصل على مدى السنوات الماضية التي كانت رغم رمزيتها الا انها تعطيك صورة توثيقية لواقعية تاريخية ملموسة لما مر به البلد من كوارث وويلات وخراب يعملها وبقناعة تامة من ضعفت نفوسهم وصارت أوطأ من الحضيض والمحسوبين من ابنائه ممن تلطخت وتتلطخ ايديهم وضمائرهم واعراضهم وسمعتهم بكل ماله صلة بالقبح. 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان