الفريد سمعان
تعود بي الذاكرة الى اكثر من نصف قرن.. الى شط العرب والسفن الكبيرة التي كانت تقف شامخة في منتصفه.. لكي تفرغ حمولتها من الشاي والسكر والخشب. ومختلف البضائع والسلع التي كان السكان بحاجة اليها.. وتأخذني خطاي الى اسواقها والسمك (الصبور) غذاء الفقراء.. السمكة بعشرة فلوس. والى الكاري الهندي الذي يثير الغرائز.. ويرسل الى الاقرباء في المدن الاخرى كهدية ثمينة..والى غابات النخيل التي تمنع اشعة الشمس من التحكم.. بأجساد المواطنين وتخفف ظلالها من عناء وقوة الحرارة. وتصدر تمورها.. شركة (بيت اصفر) وترسل الى أوربا تمراً عراقياً معلباً بأحجام وعبوات متنوعة. ومنه ما يكون مطعماً بالجوز.. واللوز.. وكان للخصاف تموره المكدسة. بشكل عشوائي وتمور الصفائح. ونتذكر الحناء.. حين تسافر من الفاو الى ازقة البصرة والعشار وبيوتها المتواضعة ونسائها السمراوات اللواتي يتميزن بخفة الدم.. والخجل المصطنع، وكذلك بائعات القيمر والروبة.. واللواتي يتجولن.. في المحلات السكنية وعلى كل رأس اطباق متراكمة على شكل طوابق.. واستذكر البصرة.. مدينة متحضرة اكثر من اية مدينة عراقية، لأنها الميناء الوحيد الذي استقدمت شوارعه اقدام الاجانب الذين اتخذوا لهم مساكن واستمتعوا بالاقامة.. وتزوجوا من العوائل البصرية.. اضافة الى عشرات الالاف من الجنود الانكليز.. والاستراليين والهنود.. كما ان الحكم الملكي اهتم بالميناء الوحيد وأولاه اهتماماً خاصاً، ولذلك كانت بناية الميناء في المعقل من ابرز المعالم العمرانية.. كما اهتم الاجانب الذين كانت لديهم (مهمات) خاصة.. بتنظيم السكن، وفتح المجاري المكشوفة وتسهيل عبورها الى اماكن خاصة.. كما اهتموا بالبرجسية وشيدوا للعاملين فيها من المهندسين والموظفين مدينة متكاملة.. بيوتها وشوارعها المطوقة بالاشجار والظلال .هذه المدينة العظيمة التي قصدها العراقيون من كل مكان، ووجدوا على ارضها الطيبة مورد رزق وبناء حياة.. والاسهام في تعزيز مكانتها. ولن اتحدث عن تاريخها السياسي والثقافي منذ الاف السنين والصراعات السياسية والطائفية. والتمردات الثورية واحتفالاتها وعشقها للفن والغناء.. لان لهذه الروائع مكاناً آخر..
هذه المدينة الرائعة تتجول في سمائها نداءات وتتعالى صراخات.. وتنطلق من كبار ممثليها اراء ودعوات.. الى تأسيس (اقليم) او المطالبة بالبترو دولار… مجموعة مزايا لمواطنيها بعيداً عن الشعور او التفكير بأنها جزء من العراق الكبير.. بكل محافظاته وسكانه.. واذا كان فيها مزايا محدودة.. وثراء نفطي فأن لدى المدن الاخرى ايضاً افاقا.. وعطاءات.. فهنالك تأريخ نينوى والناصرية العريق.. ونضال وحياة كردستان المتدفقة والاماكن المقدسة.. ذات الثقافة الدينية الكبيرة.. كربلاء والنجف وسامراء.. ومدينة البرتقال بعقوبة التي لو وجدت العناية بمزارعها واراضيها الخصبة.. واغصانها الخضراء ابداً لغصت منطقة الشرق الاوسط (كله) بالفواكه.. والمنتجات الزراعية التي لا تعرف الازهار الا على ارضيها.. ثم هنالك مدن حدودية لها تأثير خاص على عملية نقل البضائع وتحريك الوسط التجاري.. واضافة للخصوصية التي يتمتع بها الفرات والاهوار والمدن والقصبات التي تحيط بها وتعزز نفوذها الزراعي.. المهمل مع الاسف الشديد.
أقول للأحداث التي تتعالى.. ارجو ان تحسبوا الحسابات الدقيقة.. عندما تطلقون من هذه النداءات والصراخات الجامحة لان ذلك ليس في مصلحة العراق (الوطن) وربما يكون لمصلحة مجموعة من اللصوص الذين انتهكوا انابيب النفط.. يستسيغ هؤلاء اطعام اولادهم من (السحت الحرام) وكيف يتعاملون مع معتقداتهم والوصايا الدينية والاطياف الذين تأمرهم بالبحث عن الرزق الحلال.. والتمسك بالقيم الشريفة النبيلة.. ام ان هنالك اموراً اخرى (لا نفهمها) تمارس من قبل بعض الطامعين (بالعزلة) وإبعاد مركز السلطة عن الرقابة لكي يتم تقسيم (الكعكة) حسب ما يشتهيه هؤلاء الكبار.. ومعظمهم ليسوا من السكان اللاجئين وقد حملتهم خطاهم.. للعيش في هذه المدينة الطيبة المعطاء التي منحتهم فرصة العيش الكريم ووفرت لهم اعمالاً جعلت منهم (اثرياء) تطوفهم ورود العز تسيرهم الدناءة.. وتحرك كلماتهم الاطماع.. والجشع وشهوة السلب والنهب، وبالتالي اعطاء صورة قبيحة للمواطن العراقي الشريف الذي يزخر تأريخه بالنقاء والخلق الرفيع.









