اراء وأفكار

الفســاد مــن زاويـة أخـــرى

عبد المنعم الاعسم 

 
مرة اخرى يجري ربط الفساد بالاخلاق، الفساد في بعده السياسي، والاخلاق في منظورها القيمي علما بان السياسة علم مستقل بذاته أو منظومة من القواعد التي تنظم المصالح وتديرها، وتلتقي أو تبتعد عن الاخلاق بحسب دائرة النشاط ولوازمه، وأن الاخلاق في التطبيق مكانها جمهورية افلاطون، وتذهب بعض النظريات الى اعطاء الحق للذين يتنصلون عن التعهدات الاخلاقية طالما تدخل مجال السياسة، ويؤكدون  ان لهذا التنصل عمقا في التأريخ وأصالة في النفس البشرية منذ أن تمرد أبليس على تعهد الركوع الى الانسان. الفيلسوف الفرنسي رولان بولان يفتتح هذا الموضوع الشائك بسؤال تأسيسي يقول “هل الامر الجيد في مجال النظر، أمر جيد في مجال العمل؟” وهو سؤال يدخلنا فورا الى موضوعة النظرية والممارسة التي تدخل بدورها جوهر العلاقة بين الاخلاق كنظرية والسياسة كممارسة، لكنه يحذرنا من البعض الذين يجعلون من أنفسهم خفراء للقيم الاخلاقية ووعاظا للقناعات النظرية أو مراجع لتقنيات التطبيق الاخلاقي في الميدان السياسي، كما يحذرنا من الاستطراد نحو ترويج فكرة حكومة التكنوقراط “اللاأخلاقية” وقال إنها تستند الى مغالطة برغم “أن التقنيين هم أفضل من يستطيع حل المشكلات المتصلة بتقنياتهم” إذ تحملنا على “نسيان أن السياسة، كالاخلاق، هي ممارسة وليست بتقنية”.  وإذ تمتلئ خواطر السياسة بذم مفكر عصر النهضة الايطالي ميكافيلي الذي قلل من سطوة الاخلاق على السياسة بواسطة نظريته الشهيرة “الغاية تبرر الواسطة” فإن ريمون بولان قدم نظرة اعتراضية الى دوره وفكر ميكافيلي وتطبيقاته وأكد “أن أحدا لم يسعَ سعي ميكافيلي الى تحديد التقنيات السياسية بأكبر دقة ممكنة” والاخير كما هو معروف صاحب الرأي القائل بأن موضوع السياسة يتألف من الاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها واستعمالها، بكل الوسائل، وطبقا لما يقوله بولان، فأن ميكافيلي صاغ قواعد السلوك السياسي في ظروف محددة تماما “بل إنه قدم الوصفات الضرورية لهذا السلوك” ويلفت النظر الى مقولات (احكام) مهمة كان ميكافيلي قد أطلقها ولم تكن لتثير إهتمام الباحثين “الاخلاقيين” مثل قوله: “ كيف نبقى في بلاد نحتلها؟”أو “الانبياء المسلحون غالبون والانبياء العزل مغلوبون” أو “كيف نقيم حكومة حرة في دولة فاسدة” .. وهنا بيت القصيد. 
“ لا يمكن السماح ولو لأكثر البشر عدلا أن يكون حكما على قضيته”.
بليز باسكال –فيزيائي فرنسي 
 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان