عبد المنعم الاعسم
1 —–
قلت شاءت المصادفة، وللمصادفات أحكام تجاور فلسفة الحتميات من جوانب عدة، هذا ما أشار اليه المفكر المصري الراحل محمود امين العالم في كتابه “فلسفة المصادفة” وهو باكورة اعماله، إذ كان الموضوعيون الكلاسيكيون ينفون مكانة المصادفة في تقرير مصائر البشر وتحقيق المفارقات، ويعدونها واحدة من الضلالات المثالية، ومنذ سنوات قرأت وجيزا لكتاب “منطق الصدف” للانكليزي “جون فِن” عكف فيه على تصويب علاقة الصدف بالممكنات، حتى خلص فيه الى اننا جميعا ابناء للمصادفات، وانك مهما نأيت عن حلم يراودك، لا بد ان يجمعك به خاطر او مكان ينتسبان للمصادفة، وهذا ما حدث لي مع حلمي القديم بأن أرى اسمي على الورق الصقيل لهذه المجلة.
2 —–
كثيرا ما نتحدث عن “آفاق المستقبل” فندسّ تحت عجلتها رطانات تقول الشيء ونقيضه. حسنا، ما هي آفاق المستقبل في العراق؟ الذي سيجيب عن هذا السؤال، يحتاج اولا الى ان يفصل بين تمنياته الخاصة وبين فروض التغيير التي تجري خارج تلك التمنيات، واحسب ان الكثيرين، بمن فيهم الذين كتبوا التاريخ، اخفقوا في تدوين الاحداث بعيدا عما يتمنون حدوثه، وعلينا ان نضيف الحقيقة التالية: هي ان ابواب الفرص ليست موصدة تماما امام الذين يتمنون ويحلمون ويسعون الى ان تكون لهم بصمة في آفاق المستقبل، وقد تأتي تلك الافاق متطابقة مع اشواقهم، وقد تنكفئ بهم من خلال لعبة الاقدار المعروفة.
اذكركم انه عندما بدأت اولى بوادر انهيار الجمهورية اليوغسلافية، كان سلوبودان ميلوسوفيتش يبحث عن آفاق المستقبل، من موقع في الصف الثاني للقيادة الحاكمة، وكانت تلك الافاق -كما يقول مؤلف سيرته البيبلوغرافية آدم ليبور- ليست واضحة كفاية بالنسبة للكثير من قادة الصف الاول، وكان دائما يتحدث عن الاهمية التي سيحظى بها هو يوما ما، في انعطافة ما وفي نهاية ما. وهكذا تحققت نبوءته في النهاية الدراماتيكية لحياته وراء القضبان، لكن الصحفي الكرواتي سلافن لاتيستا يقول: ان آفاق المستقبل الموصولة بالدولة اليوغسلافية بالنسبة لميلوسوفيتش كانت منذ البداية محفوفة بالمخاطر. وحين سئل مرة عن تلك الافاق، فيما بدأت تتفكك امبراطورية تيتو، ضحك “ثم هبت على وجهه صفرة وامتعاض”.
3 —–
أنا (وأعوذ بالله من قول أنا) من انصار الرحمة وقيم التسامح ورفع عقوبة الاعدام دستوريا، والى الابد في العراق وفي غيره، وممن يؤمنون بان المجتمع العراقي أحوج ما يكون الى حياة جديدة سوية ومتسامحة، والى دورة تهدئة تاريخية، لاتهددها قوانين الاعدام وحبال المشانق وساحات الرصاص، وممن يعتقدون ان هذا المجتمع بحاجة الى ثلاثة اجيال متعاقبة، سلمية وخالية من العنف والعنف المضاد، لكي يطوي الاثار المدمرة لهذه الحقبة الدموية، وينفذ من كوابيسها، وينقذ رقبته من حبال المشانق.
ومرة دونت ذكريات سياسي عراقي معارض للدكتاتورية، عن فترة قضاها في زنزانة الاعدام في ابي غريب، وبقيت وقائع تلك التجربة والمعاناة تراودني في مناماتي احيانا ككوابيس، وفي السعودية شاهدت في منتصف الستينيات عملية اعدام لرجل من اليمن، هذا عدا عن الافلام الاجنبية التي تقدم لنا تجارب محكومين بالاعدام في التعامل مع الزمن، والموت والحياة.
الذين يطالبون باسقاط حكم الاعدام من لوائح التجريم، ينطلقون من بشاعة اجراءات قتل الانسان، كانسان، ويخضعون الموضوع الى فلسفات جنائية ضد فكرة الانتقام كقصاص، لكن ثمة إجماعا على ان الامر وثيق الصلة بمستوى الوعي الحضاري والمدني للمجتمع، إذ تنتفي الحاجة في المجتمعات التي لا تعرف العنف والفلتان، الى عقوبات مفرطة بالقسوة مثل قتل الذين يرتكبون جرائم القتل المروعة، ومن الجدير بالذكر ان بعض الولايات الامريكية لا تزال تطبق عقوبة الاعدام، بالنظر لوجود ظاهرة العنف بين بعض شرائح سكانها. أقول، لست مع عمليات اعدام الجناة، لكني، عندما اتتبع بشاعة الاعمال الارهابية التي تنكل بعابري السبيل من النساء والاطفال، ارسم صورة في مخيلتي للمجرم الذي نفذ هذه الجريمة الشنيعة، وفي لحظة اشعر ان العدالة تقتضي اعدامه عددا من المرات بما يساوي عدد الابرياء الذين أطفأ النور في عيونهم. كنت امنّي النفس، منذ ان استرشدت الى الكتابة يافعا، قبل نيف وخمسين، ان اقرأ اسمي على صفحات مجلة “اهل النفط” يوما. كان لقائي الاول بها عام 1955 بالصورة، فقد نشرت المجلة آنذاك، وقائع المهرجان الرياضي السنوي لمدارس بغداد، وخصّت من الصور، صورة لي اتقدم فيها صفوف تلاميذ مدرستي خلال استعراض افتتاحي، وتحتها كلام يقول: “مدرسة المحمودية التي فازت بجائزة المسير” والمهم ان تلك النسخة من المجلة رافقتني سنوات عدة، وضمتني الى قرائها والمسحورين بموضوعاتها، وشاءت المصادفة، بعدما فرقتنا الاقدار لعقود وعقود ان التقي -الان- اهل النفط، وان تختارني هيئتها كاتبا لأحد اعمدتها.









