عبد الهادي مراد
بعد التغيير الذي حدث في بلادنا إثر انهيار جمهورية الخوف وزوال نظام البعث الفاشي الشمولي في نيسان 2003، دخلت في التداول الاعلامي العديد من المصطلحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، كانت غائبة عن اذهان القسم الاعظم من المجتمع وبشكل خاص شريحة الشباب، بفعل فرض سياسة ومفاهيم الحزب الواحد ، وغياب الديموقراطية لحقبة طويلة من الزمن امتدت لأربعة عقود منذ انقلاب راكبي القطار الامريكي في شباط 1963، وانتهاءً بانهيار النظام الشمولي في نيسان 2003،اتسمت بغياب الديمقراطية والقمع والاضطهاد ومصادرة الحريات ناهيك عن الحروب الكارثية المدمرة ضد ابناء شعبنا وضد دول الجوار التي تسببت في خسائر مادية وبشرية كبيرة، وحصار جائر فرض على شعبنا وليس على النظام الدكتاتوري استمر لـ 12 عاماً ، ارهقت المواطن العراقي نفسياً واقتصاديا ً فضلا عن حرمان العراقيين ثمار التطور التكنولوجي وثورة الاتصالات والمعلوماتية، ليبقى العراقي متخلفاً عن ركب التطور الحضاري العالمي.
وفجأة بعد التغيير دخلت علينا تدريجياً ثمار التطور الحضاري الانساني الى بلادنا ودخلت معها مفردات ومصطلحات كانت غريبة وعصيبة على فهم غالبية المواطنين ومن تلك المصطلحات(الديموقراطية ، التعددية السياسية ، التداول السلمي للسلطة….. الخ) من الكم الكبير من المفردات.
ولقد أرتأينا تناولها بشكل مسلسل لحاجة شريحة الشباب العراقي الى تنويره ومعرفتها ، خصوصاً ونحن نسعى الى استمرار العملية السياسية والحيلولة دون تراجعها او انتكاسها ، وهذه تتطلب منا انجاحها من خلال الانسان العراقي ، صاحب المصلحة الحقيقية في استمرار النهج الديموقراطي ، لأنه هدف هذه التجربة الثقافية للارتقاء بمستوى وعيه وادراكه للمرحلة التاريخية الراهنة .
وبدءاً سنتناول مصطلح الديموقراطية كمادة اولى في سلسلة المفردات نظراً لأهميتها خاصة لشريحة الشباب والاجيال الصاعدة.
الديموقراطية democracy
هي كلمة يونانية تتكون من مقطعين هما ديمو demo وتعني الشعب وكراسي cracy وتعني السلطة أو الحكومة. اذن فالديموقراطية تعني سلطة الشعب التي يجري اختيار اعضائها من قبل الشعب وعن طريق الاقتراع السري .
وفي عالم السياسة هناك أنواع عديدة من الديموقراطية في مقدمتها :-
1 – الديموقراطية السياسية: بمفهومها الليبرالي الذي بشر به الفلاسفة والمفكرون الاوربيون منذ القرن الثامن عشر بفكرة المساواة ، الذي اقترن بالمطالبة الشعبية بمساواة المواطنين في حق الاقتراع السري لأنتخاب ممثليهم الى البرلمان. كما ويتضمن مفهوم الديموقراطية السياسية ايضاً
الحقوق والحريات الاساسية ، مثل ضمان حرية الرأي والتعبير في الصحافة وفي الاجتماعات والتظاهر ، وحق المواطنين في المشاركة على نحو مباشر في العملية السياسية عن طريق ابداء آرائهم الخاصة واحكامهم الشخصية وتتجلى هذه الحرية على نحو جمعي نطلق عليه تسمية (الرأي العام).
2 – الديموقراطية الاجتماعية: وتعني العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص امام جميع المواطنين بشكل متساوي ودونما تمييز. ولما تقدم فقد سعت الديموقراطية الاجتماعية الى احتواء كلي للانسان والمجتمع وعممت بقدر أو بأخر افكاراً وسلوكيات وابتدعت حلولاً، مثلما استنبطت امكانات للتطور البشري والانتقال بالمجتمع الى عالم الحرية الواسع الرحب.. ثم حملت الديموقراطية الكثير من سمات التقدم الحضاري ،وراحت صيغها خلال القرن الماضي تعمل لتوسيع الافاق الفكرية والفلسفية والنشاطات الثقافية . واثبتت الديموقراطية كونها فلسفة ومنهج تحليلي ورؤية للتاريخ ومشروعاً للتحرر وحركة سياسية متواصلة .
وفي العراق وفي ظل الانظمة الشمولية كان الشخص الديموقراطي ذلك الانسان المناضل المفعم بالأمل لخلاص المجتمع من معاناة التهميش والاقصاء ومن آلام الفقر والجهل والتخلف والمرض.
واليوم فأن الديموقراطية تخرج الى رحاب العالم لتطوف في فضاءات متنوعه تمتزج بحاجات انسانية تتمثل با زاحه التسلط والظلم والانتقال بها الى افاق التحرير الاقتصادي والتنمية الشاملة (التنمية البشرية، الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية).وتقديم خدمات صحية وتربوية وتوفير السكن، فضلاً عن تلبية الحاجات الانسانية الضرورية الاخرى ورفع مستوى الفرد والاسرة اقتصادياً ،كي يعيش العراقي عيشة كريمة.
وفي العراق ستبقى الديموقراطية حلماً ووعداً وطموحاً للخلاص من آثار التخلف والارهاب والاستبداد ، وهذا الخلاص لا يتم الا با قامة النظام الديموقراطي، والديموقراطية لا تتحقق بغياب الديموقراطيين عن مصادر القرار، بل بتحقيق الديموقراطية بمشاركة الديموقراطيين الحقيقيين في السلطة وفي القرار السياسي، عند ذلك سيصبح العراق سائراً هو يخط بداية التأريخ القادم لأ سعاد الجميع. وتحقيق ذلك يكون عندما يرتفع وعي المواطن وشعوره العالي بالمسؤولية الوطنية، لدى توجهه نحو صناديق الاقتراع لأنتخاب ممثليه الى البرلمان واختياره للمرشح الاعلى تاهيلاً والاكفأ ومن ذوي التاريخ الوطني المشرف والمشهود له بالنزاهة .. وذلك هو الانسان الانسب لتمثيلنا تحت قبة البرلمان كمدافع عن مصالح الشعب وليس عن مصلحته الشخصية وهذه واحدة من فضائل الديموقراطية في المجتمع.









