اراء وأفكار

قانون التقاعد لم ينصف حملة الشهادات العليا العاملين في دوائر الدولة!

د. جاسم محمد حافظ الساعدي

 

    لقد توسمت الكفاءات العلمية العاملة في مختلف دوائر الدولة العراقية خيرا, بكافة التيارات والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني, التي أدارت الحوارات وتبادلت الرؤى والأفكار حول ضرورة سن قانون للتقاعد يوفر الحدود المقبولة بالعدل وشروط العيش الكريم, وعلى أمل أن تفضي إلى نهاية مقنعة لمختلف شرائح المجتمع, لكن المؤسف إن القانون شكل صدمة موجعة للناس, خصوصاً فيما تعلق بالرواتب التقاعدية لأعضاء البرلمان وتخفيض الحد الأدنى دون الخمسمائة ألف دينار المقترحة قبل عرضه على مجلس الوزراء.

   ففي الوقت الذي انطوى هذا القانون على بعض الإيجابيات غير انه شكل إحباطاً لحملة شهادة الماجستير والدكتوراه العاملين في كافة وزارات الدولة العراقية , الذين أدركت الدولة مخاطر عدم إنصافهم وإمكانية تسربهم إلى الجامعات او أماكن عمل أخرى, فمنحتهم مخصصات الشهادة التي تجاوزت 100% لضمان بقائهم في أماكن عملهم, كما شكل هذا الإجراء حافزاً لعودة الكفاءات من الخارج, وبالأخص المفصولين السياسيين, الذين يلزمهم قانون إعادة المفصولين السياسيين رقم 24 لسنة 2005 المعدل بالعودة إلى وظائفهم التي تركوها, أما وقد حُددت هذه النسبة  بحوالي 20% لحملة الدكتوراه في نص قانون التقاعد الجديد, فان ذلك لا يشكل إلا تراجعا كبيرا في إدراك الدور الذي تلعبه هذه الكفاءات في رسم السياسات الإستراتيجية للقطاعات الإنتاجية للعاملين فيها, ويبدو لي ان المشرعين لن يدور في خلدهم هذه الحقيقة العلمية, ولا يقدرون  للعلماء مكانتهم مثل ما ألزمهم الشرع  بذلك ” فهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون “. 

    ان الذين مارسوا العمل في مجالي التعليم الجامعي والوزارات والمؤسسات غير التعليمية، يعرفون جيداً الدور الكبير الذي ينهض به حملة الشهادات العليا وبالأخص الدكتوراه في رسم السياسات الإستراتيجية للقطاعات الإنتاجية المختلفة، الى جانب إجراء الدراسات الميدانية المهمة والمحاضرات المتواصلة التي يلقونها لرفع المستوى المعرفي لموظفي الوزارات, كوزارة الزراعة والعلوم والتكنولوجية مثلاً, لذا استطيع القول باطمئنان, بأنهم يلعبون دوراً لا يقل أهمية عما يقوم به زملاؤهم في التعليم العالي, كما ينبغي التذكير بان الأساتذة في الجامعات الأوربية لا يتقاضون دخولاً عالية, لا بل قد يخسرون عملهم في الجامعة, إذا لم تكن لديهم عقود لإجراء أبحاث ودراسات ميدانية تطلبها القطاعات الإنتاجية أو الخدمية العاملة في بيئة الجامعة. وإذا ما كان هناك من رغبة في التمييز بين الأكاديميين العراقيين لأي سبب نجهل دوافعه الموضوعية, فلماذا تطالبون جميع حملة الشهادات العليا الصادرة من الخارج بمعادلة شهاداتهم أمام نفس لجنة معادلة الشهادات التابعة لوزارة التعليم العالي؟ ولماذا لا تحترمون قراراتها في معادلة هذه الشهادات دون إن تعير هذه اللجنة الخاصة أهمية إلى الأماكن التي سيعملون بها لاحقاً، بقدر حصر اهتمامها بالتخصص الدقيق ورصانة الجامعة المانحة للشهادة العليا؟ أن هذا التمييز يشكل ثغرة في قانون التقاعد الجديد, وسيضعف بالتأكيد الدافعية والانتماء لبيئة العمل. 

   لذلك نقترح أن لم يؤخذ بمبدأ 80% من آخر راتب يتقاضاه الموظف بما فيه مخصصات الشهادة,  لمن تجاوزت مدة الخدمة لديه ثلاثين عاماً وأكثر. أن يصار إلى  زيادة نسبة مخصصات شهادة الدكتوراه من 20% إلى ما لا يقل عن 80% . لضمان إحقاق درجة معقولة من العدل. ومن نافل القول التأكيد على عدم المساس بالحقوق التي ضمنها قانون المفصولين السياسيين المشار إليه أعلاه, كونه قانوناً خاصاً لإنصاف شريحة محددة, والقاعدة الفقهية تقول أن القانون الخاص يعطل العمل بالقانون العام إن تعارض مع نصوصه. ولذا فان سن التقاعد يبقى محدداً بثمانٍ وستين عاماً.       

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان