حسين الذكر
في بادية العهد الدكتاوري المباد، نهاية ستينيات القرن المنصرم، بدات تتأسس – كما يذكر التاريخ عبر اقوال المختصين – دوائر مهمة جدا بعيدا عن الاعين، تحمل اسماء وعناوين بسيطة جدا جدا، لا توحي بمستقبل هذه المؤسسات الضخمة، التي كان لها دور كبير في التاسيس والتمكن والتوطيد والديمومة والاستمرار، ولو على حساب العراقيين، فيقال ان دائرة صغيرة اسست في القصر الجمهوري تحت اسم الاستعلامات ثم كبرت وتعملقت لتتحول بعد سنتين او ثلاث الى دائرة المعلومات، التي بدورها اخذت تنكح داخليا وخارجيا، حتى حملت ثم انفجرت في وقت مقرر معد سلفا لتولد مؤسسات دموية عملاقة بالوان ومسميات شتى: (مخابرات، استخبارات، امن عامة، شعبة خامسة، رقم واحد، فرقة حزبية، شعبة وفرع، رضوانية وقبلها الفضيلية، ابو غريب… حدث بلا حرج وعدد بلا ملل) مع تنوعها الظاهر وتخصصها، لكنها تعمل لهدف وحيد تمثل بحفظ رأس النظام فيما ظل العراقيون يعانون الويل والموت والعذاب الذي لا ينسى في تلك الاقبية الظلامية والسراديب والزنزانات التي لا تعد ولا تحصى.
تلك وغيرها الكثير من المؤسسات التي لم ير منها المواطن اي وجه للخير وظل يعاني من ويلاتها وتبعاتها الى اليوم وربما في المستقبل، الذي ما زال المواطن برغم ادعاءات الديمقراطية و العراق الجيد، تايها دائخا مهووسا مهموما حائرا.. (منتعل سلفه سلفاه) تحت مصائب ومطالب دوائر لا تنتهي ابدا لا في دكتاتورية ولا ديمقراطية وان تعددت انتخاباتها: (جيب التموينية ودي الحصة، جيب بطاقة السكن روح للمجلس البلدي، حط صورة وطلع صورة، جيب جنسية ودي شهادة الجنسية وين الشهود وين الفايل، ادفع خمسة وعشرين الف دينار، توسل بفلان وعلان، دور واسطة، قف بطابور المرور الذي ليس له نهاية، روح للجنسية، مر على العقاري، ابحث عن عرف بالضريبة، أدفع للموظفة وبوس ايد المعقب، ومر على المحكمة بدربك، لاتنسى اتعاب العرضحلجي، انطي حق المصور، حلل خبزتك، حرم على نفسك، متاع الدنيا، موت وليعش النظام ورأس النظام، جيب حيل واخذ لطم، وحضر عيون وزخ دمع.. ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم)..
كلما اصعد في سيارة الكيا من الباب الشرقي في طريقي الى الكرادة، اسمع بعض الركاب يسالون يتوسلون انزالهم عند دائرة المعلومات، التي تقع بالقرب من محطة بانزين السعدون، المختصة في تنظيم بطاقات سكن لمواطن فقير مسكين كان ومازال وسيبقى بلا مسكن، برغم ما اعطى للوطن من دم ومال وعيال وجهد ووقت وعمر بحاله.. ولطالما شاهدت عجائز وشيوخا كبار السن وهم يراجعون هذه الدوائر ولا اعرف! ما الذي يريدونه منهم، بهذا العمر الذي لايفصلهم عن رحمة الله، سوى اشهر معدودة، وقد اضحكتنا حد البكاء احدى العجائز، وهي تسال السائق بصورة تهكمية ذات مغزى لا يدركه الا المضحون المنهكون: (يمه الله يخليك ويحفظك عود نزنلني يم – المهجومات – تقصد المعلومات) ، فاي وطن هذا الذي يبقى مواطنوه مطاردين في كل زمان ومكان، لاثبات وطنيتهم عبر مستمسكات ووثائق مهما تعددت فلن تستطيع اثبات وطنية مواطن فقير يبحث عن خمسين مترا لاسكان عياله، فلا يجد غير التفخيخ والقتل والرشوة والفساد والخوف والرعب والتهديد… جواب..!!









