د.عبد الله الراضي
إن من يتصفح في التراث وبطون التاريخ يجد أن ” الحركة الصهيونية العالمية ” ليست وليدة القرنين الماضيين ، بل أنها ضاربة بجذورها منذ القدم ، لكنها تبلورت أخيرا في شكلها النهائي الذي نراه في تاريخنا المعاصر. إذ يشير أحد أقطاب الكتاب الصهاينة ( ايلي ليفي أبو عسل ) في كتابه ( يقظة العالم اليهودي ) بأن الصهيونية أقدم بكثير من حيث التكوين عن المرحلة المعاصرة التي نشطت فيها في نهاية القرن التاسع عشر على يد مؤسس الحركة المعاصرة ( تيودور هرتزل ) . إذ يشير الكاتب إلى أربعة مراحل مرت بها الحركة : ( الأولى ) : في زمن التوراة ، ( الثانية ) : في الزمن السابق لهرتزل ، ( الثالثة ) : في عهد هرتزل ، ( الرابعة ) : بعد وعد الانكليزي ( بلفور) عام ( 1917 ) . وعليه لم يكن نشوء الحركة الصهيونية العالمية في عام ( 1897 ) كما يتوهم البعض ، وإنما هذا التاريخ يعتبر مرحلة من مراحل التطور ، إذ أن النشاط الرجعي العنصري في صفوف اليهود بدأ منذ القدم مما يستوجب مراجعة دقيقة لتاريخنا السياسي والقومي القديم والجديد ، والبحث عن جذور النشاط الصهيوني ومحاولاته المتعلقة بالشرق وشراء ذمم بعض القوميات والطوائف من أجل تنفيذ المخطط الصهيوني العالمي الذي أخذت أشكال صراعاته تتغير وفق تغير الظروف السياسية والاجتماعية للشعوب العربية والإسلامية وتجنيد ضعاف النفوس من التيارات السياسية والحزبية والأشخاص ( الطموحين للسلطة بدون استحقاق !! ) في الشرق والغرب .
وبودنا هنا أن نشير إلى بعض الوثائق التي تجسد الصراع الصهيوني من أجل بسط نفوذه في القدس ما بين عامي ( 1831 ــ 1841 م) . حيث حاول الأمريكيون عام ( 1836 ) ، وبواسطة قنصلهم في القدس السنيور ( فيلدن ) ، أن يشتروا قطعة أرض بالقرب من زاوية النبي ( داود ــ ع ) ، واستغلوا في ذلك أحد رهبانهم واسمه ( جرجيس هوتين ) ، وكانت حجتهم في ذلك الوقت أنهم يريدون إقامة مدفن للموتى الأمريكان … يا للحيلة ! وحسب عنوان مسرحية الكاتب الانكليزي ( رتشارد شيريدن ) ــ ” تتمسكن لتتمكن She Stoops to Conquer ” . وفي حينها اعترضت الحكومة المصرية وطلبت تشكيل لجنة للاستجابة لهذه الرغبة ، وفي النهاية تم تقديم تقرير إلى قاضي القدس ( الشيخ محمد راغب أفندي الخالدي ) برفض الاستجابة لطلب الأمريكان بسبب عدم وجود أي سابقة تملك ولا حقوق قديمة في المدينة . وأعيدت المطالبة مرة ثانية من قبل اليهود الأوربيين ( السكناج ) والذين يطلق عليهم اليوم اسم (الاشكيناز ــ أصحاب الامتيازات الخاصة) على عكس اليهود الشرقيين الذين يطلق عليهم اليوم (السفاردم / الذين هاجروا إلى إسرائيل بعد الحرب العالمية الثانية والذين يعتبرون مواطنين من الدرجة الثانية ) . وقد تضمن طلب اليهود الأوربيين المقدم من قبل وكيل الطائفة ( عام 1837 ) الحصول على ترخيص بشراء الأراضي لا للسكن فقط ، وإنما أيضا من أجل الزراعة وتربية الحيوانات والإنتاج الصناعي والاقتصادي. لكن ” المجلس الاستشاري ” لمدينة القدس رفض الطلب لأنه لم يسبق له مثيل بإعطاء امتيازات خاصة غير ما يتمتع بها سواهم من التجار الأجانب ، وخصوصا في مجال تمليك الأراضي في البلاد . وأبقى المجلس على ” حقهم في تعاطي البيع والشراء بالتجارة التي يجلبونها من بلادهم أسوة بباقي الذميين في البلاد ” .
ولا يخفى على أحد إن محاولات انتزاع ارض البلاد من أصحابها وتمليكها للصهاينة قد مرت بعدة مراحل بغية تحقيق الهدف النهائي المرسوم . فقد بدأت عقب تأسيس الحركة الصهيونية الحديثة في سنة( 1897م ) ، ومن ثم تم تعزيزها على يد البارون الصهيوني ” أدموند دي روتشيلد ” عندما أسس عام ( 1900 ) ” الجمعية اليهودية لاستعمار أراضي فلسطين ” ، وبعد ذلك صدر قرار المؤتمر الصهيوني عام ( 1908 ) بتأسيس (شركة يهودية للأراضي الفلسطينية) . ورغم محاولات السلطات العربية في القرن التاسع عشر من تطويق وتحجيم الأطماع الصهيونية في احتلال الأراضي الفلسطينية. ووفقا لحجج دينية شتى مثل ” حائط المبكى ” وتبليط مساحة من الأرض المجاورة لهذا الحائط ، إلا أن تلك السلطات ومن باب التسامح الديني أعطت الرخصة لزيارة المكان وممارسة الطقوس والشعائر الدينية في جو من الحرية والاطمئنان . إلا أن أجواء التسامح هذه واليقظة من المخططات الصهيونية لم تجمح محاولات في التسلل الى أرض فلسطين والقدس الشريف ، وتحولها الى أمان وأحلام ، ومن ثم الى واقع حال خصوصا بعد وعد ( بلفور ) المشؤوم عام ( 1917 ) ، وتأسيس الكيان الصهيوني عام ( 1948) . بل ما زاد الطين بلة أن يتحول الاحتلال الصهيوني لفلسطين الى عدوان سافر عام ( 1967 ) وضم العديد من الأراضي العربية للدول المجاورة ( سيناء المصرية ، والجولان السورية والضفة الغربية الأردنية ) ، ورفع شعار ( الأرض مقابل السلام الإسرائيلي ) ، تلك الأرض التي تم احتلالها في حرب حزيران ( 1967 ) بسبب السياسة الخرقاء للحكام والخيانة وعمالة بعض الأنظمة العربية والإسلامية للأجنبي ، تلك الأنظمة التي تكالبت على قتل العراقيين بعد سقوط نظام العمالة الصهيونية في العراق بحجة محاربة ( الاحتلال الأمريكي !! ) وكأن القدس قد تحررت من الدنس الصهيوني ، وقد تم تحرير واسترجاع الجولان والضفة الغربية وغزة وسيناء بالكامل من قبضة الكيان الصهيوني . وبدل أن يرسلوا المفخخات والعبوات اللاصقة والكواتم الى الكيان الصهيوني المحتل ، بدأوا بإرسالها الى العراق لقتل الفقراء والأبرياء من العراقيين ، أي عروبة هذه ! ؟ وأي التزام ديني هذا ! ؟ اللذان يبيحان قتل الأبرياء والفقراء وترك المحتلين والعملاء. هل من يقظة عربية تتماشى مع ربيع الشعوب العربية لإيقاف المد الصهيوني الجديد الذي بدا يتسرب على شكل مكاتب وشركات استثمار صهيونية في دول مجاورة وغير مجاورة مباشرة للكيان الصهيوني، وعن طريق التحالف مع دول وقوميات عربية وغير عربية ، وإسلامية وغير إسلامية من أجل تحقيق مضمون بروتوكولات (بني صهيون) وحلمهم المستقبلي (من النيل الى الفرات).









