اراء وأفكار

كريم الناشئ.. شيوعي.. دما وعظما

حسين الذكر

 

 بعد اخماد الانتفاضة الشعبانية بايام ، في ظل الموت والقهر  والحرمان والخوف والخيبة والاحباط .. ممن غدر بالشعب العراقي الجريح ، وساعد قوات السلطة لسحق قوى الشعب المنتفضة الثائرة من اجل حريتها وتحسين احوالها ورفع الحيف والظلم والكبت والحصار والقهر المفروض عليها ، بسجن كبير اسسسته قوى الشر المستفيدة الناهبة لخيرات العراق ، تحت حكم دكتاتور طاغية مستبد ، لا يهمه الا بقاء حكمه وتدعيم كرسيه وقتل وتنكيل كل من عارضه ونافسه مهما كان اسمه او لونه او معتقده او عشيرته او مذهبه .  الدكتاتور كان مدعوما من كل القوى العالمية مدعية الدفاع عن الديمقراطية ، في وقت كان الشعب يئن ويسحق تحت دبابات النظام واسلحة الدمار التي استمدها من حماته في الداخل والخارج .. وقتها وبتلك الظروف تشرفت بالتعرف على الاستاذ كريم الناشيء ، عندما كان يمتلك محلا صغيرا لبيع ادوات منزلية بسيطة ، يعيل بها نفسه واسرته وايتام ابنه الذي أعدمته السلطات بتهم جاهزة معبئة معدة سلفا لكل العراقيين بلا استثناء .. الفرق يكون بالوقت والاسلوب والظرف ..  كنت قد اشتريت محلا صغيرا لبيع المواد الغذائية بالقرب من محله ، لم اكن احب الاختلاط بالاخرين ، الا بعد التاكد من ميولهم الفكرية ومستوياتهم الثقافية ، وقد اعجبتني   كلماته – بالمصادفة – وهو يصف شريطا خبريا كان يذاع في  ( مونتكارلوا الفرنسية والبي بي سي البريطانية وصوت امريكا ) ، التي كان الشعب العراقي المقهور يسمعها ويتابعها باستمرار بحثا عن اي خبر او كلمة يشتم منها رائحة الخلاص من الطاغوت،  فدخلت معه على وجه السرعة بمجادلة تحليلية للاخبار ، فأعجبه اسلوبي واطلاعي ولم يستمر التحرج بيننا، الا ساعات معدودة .. عند ذاك كتب اول عهد صداقتنا الدائمة ،مع انه شيوعي ومادي بحت ، وانا اقرب للتيار الديني من اي توجهات اخرى ، ليس متحزبا ، باي وقت كان ، الا اني كنت اميل بطبعي كبقية العراقيين ، لكل الجهات المظلومة ، فضلا عن كوني من اسرة مضطهدة وافتقدت شهيدا في نضالها ضد الاستبداد ، وكانت مراقبة من قبل قوى الامن حينها ، كما اني كنت مغلوبا على امري ومركونا في كل شيء ، لعدم اتاحة الفرص لامثالي ..    بعد ايام واسابيع توطدت علاقتي  مع الاستاذ الناشيء ، الذي كان قد تقاعد من سلك التعليم منذ منتصف الثمانينيات ، وظل يعمل في بيع وشراء الادوات المنزلية البسيطة ، وبطريقة لا تجارية بل معاشية يومية ، لا يريد تطويرها ولا يبتغي سوى العيش بكرامة ، بعيدا عن ذل السلطات ، كنا نعيش ذات الظروف تقريبا ، برغم كونه يكبرني بالعمر سنوات وعقودا ، الا ان التقارب في وجهات النظر والتحليل ورؤية المستقبل والامور والتفاؤل السائد لدينا ، برغم كل المصاعب والمتاعب ، والقهر والحرمان المحيط بكل جدران العراق، كنا نستمع ونقرا ونحلل كل كلمة تطرح في وسائل الاعلام وكل حرف يكتب بالصحافة والكتب برغم شحت الاخبار تحت اسوار سجن الدكتاتورية المنيع المحصن عالميا ..  بعد سقوط النظام لم نخرج من بغداد ، فضلنا البقاء نحن وعوائلنا وقررنا اما الموت بالعاصمة او مشاهدة نهاية الطاغوت والفرح بها ، فعلا بعد ايام ، انتهت الحقبة السوداء ، وقد شاهدته برغم سنه الكبير وضعف بدنه واعتلال صحته التي انهكتها الايام ، الا انه وقف مع الشباب وساهم بتكسير صورة الطاغية واخذ يهتف ( مهما طال الزمان لا بد للطغاة ان يسقطوا ) .. تلك كانت لحظات لا تنسى ، وبعد ايام بعدد الاصابع ذهب الى مركز بغداد في شارع المتنبي وكازينو الشابندر  تحديدا ليأت معه جريدة طريق الشعب وهو بمنتهى السعادة وكانه ، احرز كاس العالم بلغة وفرحة الكرويين ..  بعد انتهاء عهد الطاغوت ، سارع لفتح فرع للحزب الشيوعي في المنطقة مع عدد من رفاق الامس الازلي وبعض المنتسبين الجدد ، واصبح ناشطا كانه في ريعان شباب تلك الايام، التي قضاها متنقلا بين سجن الحلة وبغداد ونقرة السلمان، بعد عشر سنوات تعرض ( صديقي الاستاذ الناشيء ) على حين غرة برغم حيويته وتفاؤله وشباب امانيه في الحرية والديمقراطية ، وعالجته الجلطة لتطرحه صريعا على الفراش لا يقوى على الحراك ، بعد ثمانية عقود قضاها في خدمة العراق وحب الحزب ومبادئه المترسخة في دماغه المعشعشة الملتصقة في روحه وانفاسه حيث الحرية والديمقراطية والثقافة والوعي والعدالة .. والكثير الكثير مما كان يحلم به .. وقد قال لي قبل ايام وهو على فراش مرض يتوقع انه لم يعد قادرا على القيام منه ، وكانه يوصيني: ( سوف يعيش العراق ويموت ويرحل الطغاة والجناة والطارئون ، وسيبقى عهد الحرية صادما بوجه اعتى الطغاة وكل الاجندات التي تريد بالعراقين شرا) ، مضيفا : ( العراق بخير .. لان الخيرين  فيه لا يموتون ) والحرية والديمقراطية مفردات وادوات العيش التي لا يتنفس شعبنا غيرها ولا يعرف العيش ويهنا الا في اجوائها ، فاحرصوا على ذلك ما حييت ، يلا يخدعكم الظالمون بكل اشكالهم … ابو نزار ما زال طريحا على فراش ادعو واصلي له من القلب ان لا يتوقف قلبه – برغم ايماني بقدر الله جل وعلى – ، فانه من نوع القلوب والعقول التي لم اعرف عنها خلال اكثر من عشرين عاما صداقة ، سوى حب العراق سالما معافى ديمقراطيا حرا  يعيش كل ابنائه بسلام متعاونين تحت خيمة بلاد النهرين التي حباها الله بكل انواع الإباء والعزة لو لا الطغاة والغزاة) ..

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان