احمد الشيخ ماجد
يزخر واقعنا بالكذب، والزيف. والمشكلة ان الكذاب في مجتمعاتنا “مبربع” كما يقولون في المثل الشعبي : “يبربع بيها الچذاب” أو “يفلح بيها الچذاب” .. والكذابون لديهم طرق كثيرة يحاولون تمريرها على الناس بطريقة سمجة. وتمرر احياناً بطريقة “شرعية” ومرّة “قانونية” ولكنها بالتأكيد لا تخفى على من يمتلك بصيرة, وبعد نظر… لا تجد كذباً في هذا الواقع، أكثر من “الفيسبوك” بإمكان هذا العالم ان يصنع شخصيات (مع القابها) وفي غضون دقائق. وكذلك يسيرها على نمط معيّن ربما يكون مثالياً، قد لا نجده على ارض الواقع، ولكنه يصدق! ونحن نقف بذهول امام هذه الشخصيات الفيسبوكية العظيمة, ونصرخ متعجبين : “شنو انتم؟ ملاك!”. أصبح الصدق في “الفيسبوك” عملة نادرة، يصعب الحصول عليها، تجد احدهم يكتب عن الوطن، والوطنية، وحينما ينكشف لكَ، تجده ممن أسهم في خراب الوطن، ولا يوجد افسد منه!. يسوّق البعض اسماءً ثقافية ويجعلونها اصناماً, لا يحركهم أي منجز معتد به, ذلك انهم عظماء, ولا تستقبل “ذائقتهم” إلا العظيم, والكبير الخ… هذه الأسماء, سرعان ما يتضّح زيفها، وكذبها، وفراغها من أي منجز، والمشكلة انهم يصدقون الكذبة التي كذبوها هم!. ثمة ناشط في الفيسبوك, يكذب صباحاً ومساءً, والكثير منشغلون في إضفاء الألقاب عليه, بوصفه “إنسان حقيقي” و “مثقف” و “مدني” ويصبو إلى تحقيق المدنية في العراق. سمعت عن هذا الرجل حديثا يدمي القلب, ويضحك الثكلى. يقال: إنه دخل قبل ايام إلى محل صغير يعمل صاحبه في “الكهربائيات” دخل صديقنا (المدني والمثقف) ووجد صاحب المحل يستمع إلى خطيب معروف بممارسته “للنعي” قبل ان يفصح صاحبنا المدني عن حاجته, وماذا يريد, قال باستهزاء مصطنع : “شنو مشغل هذا, وتسمع بيه؟” ردّ عليه صاحب المحل بتعجب : “لا تضحك, هذا سيّد, إبن محمد, وخادم الحسين!”. الحاصل : بعد مناكفات, ونقاش طويل, قال المدني والمثقف لصاحب المحل : “انتَ متخلف!” وقعت هذه الكلمة بصعوبة بالغة على هذا الرجل البسيط, الذي لا يعرف من حياته إلا ان يكدح على عائلته, ويوفر مصروفهم, ولا يفهم ماذا يريد (المدني والمثقف) منه, ولا ادري كيف تجرأ صاحبنا بهذه الكلمة, وكيف يريد ان يبني مجتمعا طويلا عريضا يختلف بعقائده, ورؤاه, ويغيره من حال إلى حال!. بعد ما سمع صاحب المحل, كلمة “متخلف” لم يقدر على التغاضي عنها, والسكوت, وردّ على صاحبنا المثقف بكلمة أقوى, وأشد : “انت واحد سافل, وماعندك اخلاق!”. تعرفون ماحصل؟. لا اخالكم تصدقون والله, ولكن سأقولها, وصدقوني إنني للآن مصاب بالعجب!. رفع صاحبنا المدني يده, وضرب صاحب المحل, ومن ثم “تمرغلوا” بالتراب, وبقوا يتضاربون فيما بينهم, والناس “تفاكك!” والاثنان يصرخون : “اليوم اسحلك سحل!”.. الحقيقة حزنت كثيراً عند سماعي هذه الحادثة. أي والله حزنت على هذا الرجل “المكَرود” الذي ربما كان ينتظر الحصول على قوت عائلته بفارغ الصبر, ويأتي هذا “المدني” يناقشه, ويعاتبه, ويضربون بعضهم, لأنه يستمع إلى “الطويرجاوي!” . اليوم انا تأكدت, وتيقنت, ومن خلال وجود هذا المدني, والمثقف “الفيسبوكي” سوف نصبح في المستقبل, مجتمعا مدنيا في ظل دولة مدنية, وسوف تتحقق كلمة الحاج نعيم : دبي شنو؟ “زرق ورق!” ويعبر على مظفر ونيني!!









