د. عبدالله راضي حسين
ذات صباح ، ذهب جحا الى مقهى الحارة وجلس منفردا ماسكا حنكه بيده اليمنى ، وأخذ يتأمل ويفكر . جاءه صديقه الحميم ” أبو العجب ” ، واستغرب من وضعه وجلسته ، وسأله بماذا تفكر هذا اليوم يا ” أبو عمير ” ؟ أجاب جحا أفكر في مصداقية المثل الشعبي القائل : ( من رادك ريده ، ومن تخلى عنك من الجفاء زيده ) . سأله صديقه : وما الذي تريد أن تصل إليه من هذا المثل لأنك لا تطرح الأشياء جزافا ؟ ضحك جحا وقال : يا صديقي هذا المثل يشمل كافة العلاقات الاجتماعية والسياسية . بمعنى أن عمومية إطلاق الأمثال الشعبية تحيط بكافة النشاطات الإنسانية . وعلى سبيل المثال ، إن مفردة ” عدو” تشمل كل فرد يقوم بنشاط عدائي تجاه الآخرين ، سواء كان سياسيا أو اجتماعيا ، ولا تقتصر على القيام بالقتل الجسدي فقط ، بل حتى القيام بالحرمان المعاشي والأذى النفسي وعدم ضمان الطمأنينة ، ولذلك قالوا ” عادي من عاداك وخاوي من خاواك ” . وهكذا سنرى أن الموقف السياسي ينعكس بكل ظروفه على الموقف الاجتماعي . ومن هنا أصبحت الاهتمامات بالمثل الشعبي وإطلاقه أقوى من الشعارات والدعاية السياسية لإيصال الفكرة وكشف الحقيقة وتعرية الزائف من القول وخصوصا السياسي حيث يقول المثل ” نأخذك ونشوف فعلك ” . لذلك نلاحظ أن المثل الشعبي عموما ، والعربي خصوصا ، يحاول تجريد الأحداث من طبيعتها الزمنية ، بمعنى أنه يبقى خارج الخصائص الزمنية للأحداث . وعليه فإن الصياغة الحكيمة للأمثال الشعبية تستطيع أن تثبت جذورها وتفسح المجال أمام خلودها وانتشارها وتأدية واجبها لإيقاظ ضمير الشعوب تجاه الأحداث السياسية والمواقف التي تمارس ضدها من جهة ، والحفاظ على حيويتها رغم تغير الزمان والمكان من جهة أخرى . وعليه ندرك بأن أغلب الأمثال تحتل مكانة ” الحكمة الشعبية الفلسفية ” مثل : ( سكتنا له ، دخل بحماره ) ، والذي يشير بأن السكوت على العدوان نوع من المساعدة غير المباشرة لهذا العدوان وتشجيعه على الاستمرار في ممارسة الشر الأكبر. ويتطابق هذا المثل ، والى درجة ما ، مع المثل الشعبي القائل ( اللي يربط برقبته حبل ، فهنالك ألف من يسحبه ) ، بمعنى إن القضية ليست قضية هزيمة بقدر ما هي قضية الاعتراف الذليل وغير الواعي بتلك الهزيمة . وعليه أصدرت روح المقاومة الشعبية قولها المأثور ( الباب اللي تجي منه ريح سده وأستريح ) . نظر” أبو العجب ” الى جحا باستغراب ، وقال له : أراك اليوم تتكلم بالفلسفة الشعبية ومأثوراتها ، هل تريد أن تصبح مسؤولا كبيرا في الحارة وإزالة أغلبية الدجالين الذين ينادون بالوطنية والقومية والطائفة ؟ ضحك جحا وقال : لا يا عزيزي ، كنت قبل فترة في جولة في ولايات عربية بعد انتهاء ” القيظ ” العربي ، وما يجري للشعوب المكرودة . ومن ثم مررت بدولة ” الواق واق ” المجاورة للعراق ، والتي أتابع أحداثها منذ أكثر من عشر سنوات ، ورأيت العجب العجاب بإسم مصطلحات غريبة وعجيبة ( المشاركة الوطنية ، المحاصصة الطائفية والقومية ) وفي ظل قانون ( الداينمو ــ قراطية ) السياسي البريمري السيئ الصيت ( قانون إدارة الدولة ) ، الذي لم يولد أي شحنة إيجابية ، بل كانت كل شحناته سلبية مولدة للصراعات الطائفية والقومية والقتل والدمار في صفوف أبناء الشعب الواحد من جهة ، وإقحام العديد من الأميين والأميات ( الكوتويات البريمريات ) لقيادة زمام الأمور، والذين لا يعرفون غير مصالحهم الذاتية واغتنام الفرصة للثراء على حساب فقراء الشعب ، من جهة ثانية ، وتنفيذ أجندات ومخططات خارجية ضد شعبهم المبتلى بهم . وعليه ، وبما أن دولة ( الواق واق ) المجاورة للعراق مقبلة على الانتخابات ، فينطبق على شعبها المثل ( من رادك ريده ، ومن تخلى عنك من الجفاء زيده ) ليتخلص من المصطلحات المقيتة المتطفلة على علم السياسة ” المشاركة والمحاصصة الطائفية والقومية ” ، والمطالبة بإلغاء قانون ” بريمر” سيئ الصيت ، وتشكيل حكومة أغلبية برلمانية ومعارضة برلمانية أسوة بما يحدث في بلاد ( الكفر !! ) التي يحمل جنسياتها أغلب ” الإسلامويون البرلمانيون ” الكرام !! والعاقل يفهـم .









