حيدر ناشي آل دبس
في تناول مكثف الى الشخصية العراقية وطبيعتها الاجتماعية ، بعد مرور فترات طويلة على فرضيات رواد علم الاجتماع في العراق كالدكتور علي الوردي والدكتور عبد الجليل الطاهر وغيرهم ، نجد ان الكثير من المتغيرات حصلت في الفترة التي تلت هؤلاء ، من الحروب العبثية التي تسبب بها النظام السابق ، الى الحصار الاقتصادي الذي فرضه مجلس الأمن الدولي على الشعب العراقي عقب أزمة الخليج التي نتجت بعد غزو الكويت ، ما افضى الى محاولة رصد الطبيعة الاجتماعية للفرد العراقي ومراجعتها بعد مرور هذه الازمات ، كذلك شهدت هذه الفترة صعود تيارات الاسلام السياسي وبث ايدلوجيتها بشكل كبير ، وما ساعد هذه التيارات في انتشار افكارها واخذ مداها الواسع بالتجذر في البنية الاجتماعية ، الانحسار الواضح لدور القوى الديمقراطية طوال فترة سيطرة وحكم حزب البعث، وكذلك الوضع الاقتصادي المتردي الذي مر على العائلة العراقية ، وغياب وسائل التعبير عن الرأي وحرية الانتماء السياسي ، كل هذا وغيره من الوسائل التي استخدمتها السلطة الحاكمة انذاك ساعدت على وصول قوى الاسلام السياسي الى مراحل متقدمة من الاستحواذ على العقل الجمعي للمجتمع العراقي ، حيث كان المناخ مهيئاً لها فأتجه الناس الى الارتماء في احضان هذه القوى للتنفيس عن ما يعتمل في صدورهم من ضيق سببته سياسات النظام ، ففرضت هذه التيارات اراداتها وافكارها على الشخصية العراقية ، وقد ادت كثرة التابوات في مناهج هذه القوى الى تقييد حرية المرأة واعتبارها عورة حسب مايدعون ، ما ادى الى ابتعاد المرأة عن المشاركة في النشاطات السياسية والاجتماعية ، وانعزلت مبتعدةً عن الاسهام في محاولة النهوض بالواقع الاجتماعي وقد ادت هذه الانعزالية الى زيادة الفوارق بين الرجل والمرأة من الناحية الفكرية والثقافية ، لذلك تكرست لدى كل من الرجل والمرأة طبيعة غرائزية تجاه بعضهما البعض ، ابتعادهما عن الاحتكاك المباشر . لا ندعي ان هذه الظاهرة لم تكن موجودة ، لكن استفحالها في هذه المرحلة جعلها مرتبطة مع تكوين شخصية الفرد العراقي ، وتضخم الطبيعة الغرائزية لدى الإنسان العراقي لم تأتِ فقط من التحولات الاجتماعية التي قادتها قوى الاسلام السياسي ، وانما جاءت من طبيعة مجتمعنا الشرقي ذي النزعة الذكورية ، وللتنويه اشير الى الثقافة العراقية بشكل عام ، حيث انها ثقافة ادبية ، والثقافة الادبية كما توصل اليها عالم النفس الروسي ( بافلوف ) تنبع من الجزء المسؤول عن الغرائز والانفعالات في الدماغ.
لا ازعم انني عالم اجتماع او انني جئت بفرضية جديدة ، لكن ما حفزني للكتابة هو السكوت واللامبالاة من قبل المتخصصين بدراسة الشخصية العراقية ، وعدم التعامل معها على محمل الجدية ، للخروج بنتائج علمية رصينة تستطيع ان ترصد ما آلت اليه الشخصية العراقية وفق المتغيرات التي ذكرتها اعلاه ، وفي مقالتي هذه اضم صوتي الى صوت استاذ علم الاجتماع ( محمد حمود ابراهيم )* حينما طالب بتشكيل فريق بحث متخصص من علماء اجتماع وانثروبولوجيين وعلماء نفس ومؤرخين وغيرهم ممن لهم علاقة في هذا المجال** ، كي يستطيعوا دراسة الشخصية العراقية بكل تفاصيلها حتى يخرجوا بنتائج علمية تسهم في نقل الفعل العلمي في العراق الى مواقع متقدمة ، وتسهم ايضاً في ايجاد حلول للازمات المتلاحقة التي يمر بها الفرد العراقي . * محمد حمود إبراهيم استاذ مساعد في جامعة ذي قار ومعاون مدير مركز ابحاث الاهوار .
** دعا الى ذلك في بحثه الموسوم ( انموذج افتراضي لدراسة الشخصية العراقية ) المنشور في مجلة الثقافة الجديدة – 2011









