حسين الذكر
قبل ايام كنت بانتظار سيارة الاجرة في طريقي للذهاب الى عملي ، وقد تطلب مني ذلك الوقوف في ساحة عامة مزدحمة بالسيارت من كل الاتجاهات ، والمواطنون يتوافدون من كل صوب وحدب للمناطق المحيطة ، لانها ساحة مركزية وتعد احدى ( سناتر ) العاصمة المهمة .. كانت الساعة الثامنة صباحا في قمة وذروة زحمة المواطنين وهم يتنقلون من بيوتهم الى مقار عملهم الاهلية والحكومية على حدا سواء ، المفاجأة كانت كبيرة حينما شاهدت احدهم وقد تلثم كانه ( بوضع غير طبيعي او خائف من شيء) ، لم يظهر من وجهه الا عينان غائرتان ، وبيده سعفة طويلة ، يضرب بها الارض يمينا وشمالا على طريقة لعب الاطفال، مدعيا انه يمارس تنظيف الساحة من الاتربة وبعض مخلفات السكائر والاوراق، المتراكم باطراف الساحة ، وقد تطايرت ذرات التراب حدا اختنق المواطن وتعكر المزاج وتوزعت الاتربة الى اماكن اخرى بعيدة ، كما ان الهواء تلوث والبيئة دمرت تدميرا..
ذهبت مستفسرا من هذا الملثم ، فقلت له : ( ابني هل لديك عمل خاص، محل دكان صغير هنا ، ام انت موظف في امانة العاصمة) ، فاجابني بلا جدال وبنبرة ( عصابجي) : ( انت شنو ، ليش تسأل شعليك ، روح احسن لك) ، بهذه الاثناء جاء احدهم مرتديا ملابس عادية جدا ، عمره يتجاوز الاربعين عاما قليلا ،فقال موجها كلامه لي : ( ها حجي شتريد) ، فقلت له : ( شنو هذا شديسوي .. دمر البيئة وازعج المواطنين) ، فقال : ( حجي روح احسن لك ، هذا عامل تنظيف بامانة العاصمة ، وهو يؤدي واجبه)، فقلت له : (طيب لماذا ، يكنس في السعف ، ألم تزودكم الحكومة بأداوت عمل تتماشى وروح العصر) ،عند ذلك ، تركني متجاهلا هازئا ناقما وذهب الى الجهة الاخرى..
بعد اقل من دقيقية ، اذا بهما يدفعان عربة حديد ذات خزانين صغيرين جميلين ، مزودة باطارات تدفع باليد ، مع ادوات اخرى مساعدة من قبيل مكنسة ومعول ومجرفة، فقلت بنفسي : ( اذا الحكومة صرفت لكم واستوردت هذه الادوات الحضارية ، لماذا الاصرار على الكنس بواسطة ، السعف وكاننا نعيش في القرون والعصور المظلمة ، ثم لماذا الاصرار على تلثيم الوجه وازعاج المواطن) ..
بهذه الاثناء اقترب مني احد كبار السن ، هامسا باذني بصيغة النصيحة : ( حجي الله يطول عمرك ، شيفيد الكلام والعتاب ، هذا هو مستوى ثقافة ووعي وحرص اغلب من يشغلوهم في تنظيف الشوارع ، واذا لم يوجد دافع وحرص ذاتي على الوطن والمواطن ، لا يفيد اي كلام ولا تؤثر اي نصيحة ، واذا هنالك نصيحة فيفترض ان توجه الى الجهات المعنية ، كي يتم تعيين منظفيين نظيفين يقدرون معاني سامية كالوطنية والمواطن ، بعد ادخال العمال او الموظفين دورات مكثفة تعلمهم معنى واصول النظافة الشخصية قبل تكليفهم بنظافة العاصمة.. والله المستعان على ما يصفون)..









