اراء وأفكار

أسف على بغداد!!

حسين الذكر 

 

  من ضمن ذكريات وايام محلتي الجميلة في حقب زمنية ماضية ، كان هنالك خياط في منطقة الحرية الاولى ، في القرب من منطقة باتا تحديدا ، محله يحمل عنوان ( خياطة السياب ) ، لصاحبه صباح السياب ، يعمل معه اخواه موفق وجمال ،الثلاثة رياضيون بامتياز ، وقد كانت الخياطة ايام زمان مهنة تدر الكثير ويتقاطر عليها زبائن اكثر ، خاصة في  شهر رمضان المبارك وقبل العيدين ، اذ يضطر الزبون للانتظار شهرا او شهرين .. حتى اكثر من ذلك ، كي ياتي دوره ، لان الخياط جيد وسمعته مشهورة في المنطقة، ما جعل الزبائن تزدحم عليهم خاصة من فئة الشباب ، ذلك لحسن سمعة ال السياب وحسن اخلاقهم وعلاقاتهم العامة فضلا عن شبابيتهم وثقافتهم وروحهم الرياضية العالية ..

     في ظل حكم الاستبداد والظلم والحروب العبثية سنوات الثمانينيات فصاعدا حتى  سقوط النظام ، تدنت الاسواق العراقية عامة تحت وطاة الحصار وظروف الاستبداد التي جعلت من العراق سجنا كبيرا يعبث به ، حكام القرية ورفاقهم ، في وقت كان الشعب يئن تحت ويل السجون والقتل والاعدام والفقر والتهميش ، عند ذلك غادر صباح السياب مكرها الى بلاد الغربة وسكن كندا ، فيما ظل اخواه جمال وموفق يحاولان احياء خياطة السياب التي ماتت على اثر تلك التداعيات الامنية والسياسية ، التي لم تكن احوال العراق الجديد في ظل فوضى الديمقراطية ومخلفات الاحتلال افضل منها ..

    قبل ايام مررت بالمصادفة الى محل صغير اتخذه الاخ  جمال السياب مصدر رزق متواضع ، ليس للخياطة بمعناها الاوسع ، بل ( للتقريم والتخصير والتصليح ) الخياطي – اذا صحت التسمية – ،   مع ان صباح بدا محبطا اكثر من وضع محله ومهنته ، على وقع ذكريات ايام المجد ( السيابي ) ، الا ان محله كان جميلا جدا ويحمل معانات صاحبه ، اذ امتلأت جدرانه بصور بغداد القديمة في الستينيات والخمسينيات حتى السبعينيات ، وقد شاهدت صورة لطفل عمره سبع  سنوات يلعب بالكرة داخل مدرسة مع تلاميذ صفه ، فسالته عنها ، فقال : ( هذه الصورة التقطت عام 1966 ، حينما كنت طالبا في الثاني ابتدائي في مدرسة ابي الفداء في مدينة الحرية التي تحولت عام 1977 الى متوسطة ابي ذر الغفاري ، وقد كانت انذاك ايام مجد درس الرياضة المدرسية مصنع الابطال ونجوم المنتخبات الوطنية والاندية ) .. في زمن كان كل شيء في العاصمة جميلا حتى صارت قبلة للعرب الذين تمنوا ان تكون عواصمهم كبغداد .

     ثم اخذ يشرح لي على الصور الجميلة وذكرياتها ، في مجموعة صور لا تصدق انها لبغداد قبل عقود ، في وقت يكاد يكون الان كل شيء بدا اشبه بالخرائب نفوسا وتراثا وشهودا ، فاشر على ساحة الخلاني وساحة فيصل الاول والجسر المعلق ، تمثال السعدون ، وباب المعظم ،ومنارة الكاظميين (ع) ، وحافظ القاضي ، وشارع الرشيد ومصرف الرشيد وحديقة الاوبرا ثم ملعب الكشافة والشعب .. ) ثم اضاف بحسرة وهو يستذكر ، قائلا ( تعلم استاذ اننا كنا نذهب للتشجيع في ملعب الشعب والكشافة ، وكاننا ذاهبين الى سفرة سياحية ، نصطحب عوائلنا ونرتدي احلى الملابس باحدث الموديلات ، ناكل ونشرب ونشجع تشجيعا مثاليا ، لا يمكن ان تجد له نظيرا اليوم حتى في الدول المتحضرة … ووو .. لم يكمل فخنقته العبرة ، كما خنقتني على تاريخ عام ورياضي خاص ، للاسف لم نجد اليوم من يحرص على الحفاظ على تراثيته او الاقتداء به او مجرد من يمتلك الطموح لبلوغه فضلا عن تجاوزه ) ..

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان